شرح
كأبي إسحاق صاحب المهذب وأشياخه من أئمة العراق كلهم مبرزون مفتون ، وكذلك أئمة خراسان كإمام الحرمين وأشياخه وتلاميذه أبي حامد الغزالي والكيا والخوافي ، وكذلك أتباعهم كمحمد بن يحيى ، ومن كان في درجته من أصحاب الغزالي وكلهم قد طبق فتاويهم وجه الأرض مع صريح من فقه الشافعي ، ومن تأمل فتاويهم رأى ما ذكرناه . وكذلك الأئمة المشهورون في مذهب مالك وأبي حنيفة لم يزالوا يفتون ويجتهدون في جميع الأقطار والمناكرة في ذلك مكابرة ، ثم قال : واعلم أنه لا يجوز الكلام في أحكام اللّه تعالى بمحض الشهوة والرأي ، بل لا بد من طريق نصبها الشارع ، وللشارع طريقان نصبهما طريق في حق المجتهد ، وطريق في حق العامي المقلد ، وطريق المجتهد النظر في الأدلة الشرعية المنصوصة من قبل الشارع والتوصل بها إلى أحكام اللّه تعالى ، كما كان دأب الصحابة والتابعين ، وطريق في حق العوام هو تقليد أرباب الاجتهاد كما كان في زمن الصحابة والتابعين ، وهذان متفقان على نصبهما ، ثم أطال العبارة وذكر مسائل مهمة لا بدّ من معرفتها .
الأولى : إذا نقلت لكم أقوال الشافعي في الواقعة الواحدة أتعملون بكل قول أم بالبعض دون البعض ؟ فإن قالوا : نعمل بكل قول سقطت مقالتهم ، فإن الفعل الواحد كيف يكون حلالا حراما في وقت واحد من وجه واحد بالنسبة إلى شخص واحد ، فهذا مما لا يمكن أن يقال به ، فإن قالوا : نعمل بالمتأخر دون المتقدم . فنقول : ما بالكم تنقلون المتقدم وتقولون في أكثر محاوراتكم يصح على قول ، وبيع الغائب صحيح على قول الشافعي ، وتعتمدون عليه . وهذا لا يجوز أن يفعل على هذا الوجه ، بل ينبغي إذا نقلتموه لمن ساءلكم أن تقولوا هو قول مرجوع عنه لا يجوز الاعتماد عليه ، وإنما ذكرناه لفقهه لا لحكمة فيكونون ملتبسين بهذا الإطلاق مع أني رأيت بعضهم إذا أنكر عليه أمر فعله اعتذر بأنه قول الشافعي .
الثانية : العمل بالأرجح ، فالأرجح من الأقوال ، فيقول : الترجيح طرف من أطراف الاجتهاد فلاحظ لك فيه لأنك اعترفت أنك من جملة العوام المقلدين وترجيح أحد القولين على الآخر إن كنت تنقله عن الشافعي أو من عندك ، ولا يمكنك نقل الترجيح إلى الشافعي فلزم الثاني ، فأنت إذا تعمل باجتهادك لا باجتهاد الشافعي ، ولعل الإمام ترجح عنه القول الآخر بترجيح آخر لم تطلع عليه أنت ، ولعله لا يدري ما ذكرته مرجحا . فقد تعذر عليهم تقليد الشافعي في مثل هذه المسائل ، ووجب عليهم الكف عن الحكم فيها ، فإنهم ليسوا مجتهدين وقد تعذر عليهم التقليد . وكذلك الكلام في المسائل ذوات الوجوه المنقولة عن الأصحاب ، وعند ذلك يجب عليهم الكف عن الكلام في معظم مسائل المذهب ، ثم أن قولهم ترجيح أحد القولين على الآخر على الاطلاق خطأ ، فإن الترجيح لا يتصوّر في المذاهب بوجه من الوجوه ، فإن كون هذا حراما أو مباحا فما في التحريم نقصان ولا في الإباحة زيادة ولا يتصوّر الزيادة والنقصان في الأحكام بوجه من الوجوه ، وإنما يكون الترجيح بزيادة في أحد الأمرين لم يوجد في الثاني ، وهذا