الثالث : أن يكون المناظر مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له ، كما كان يفعله الصحابة رضي اللّه عنهم والأئمة ، فأما من ليس له رتبة الاجتهاد ، وهو حكم كل أهل العصر وإنما يفتي فيما يسئل عنه ناقلا عن مذهب صاحبه . فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يجز له أن يتركه ، فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وليس له
شرح
أبي معبد حفص بن غيلان عن مكحول عن أنس بزيادة في أوله . وقال ابن ماجة : إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم قالوا : يا رسول اللّه ، وما ظهر في الأمم قبلنا ؟ قال : « الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم » قال زين بن يحيى أحد رواة الحديث معنى والعلم في رذالكم إذا كان العلم في الفساق اه .
قلت : ويروى هذا الحديث عن عائشة وجدته في الأول من مشيخة أبي يوسف يعقوب بن سفيان القوسي قال : حدثنا الحسن بن الخليل بن يزيد المكي ، حدثنا الزبير بن عيسى ، حدثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : يا رسول اللّه ؛ متى لا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ؟ قال : « إذا كان البخل في خياركم ، وإذا كان العلم في رذالكم ، وإذا كان الادهان في كباركم ، وإذا كان الملك في صغاركم » اه .
ومن شواهد هذا ما أخرجه البخاري في أول صحيحه من حديث أبي هريرة رفعه : « إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة » . وفي الرقاق منه : إذا أسند . قال الحافظ : فيه إشارة إلى أن اسناد الأمر إلى غير أهله ، إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم ، وذلك من جملة الاشراط .
ومعناه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة ، وكأنه أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ من الأكابر تلميحا لما روي عن أبي أمية الجمحي رفعه قال : « من أشراط الساعة أن يلتمس العام عند الأصاغر » .
( الثالث : أن يكون المناظر ) في مباحثته ( مجتهدا ) الاجتهاد عرفا استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي ( يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ) من الأئمة ( حتى إذا ظهر له الحق ) في مثله بعد ارتياض الفكر فيه ( من مذهب أبي حنيفة ) مثلا ( ترك ما يوافق ) مذهب إمامه ( الشافعي ) مثلا ، ( وأفتى بما ظهر له ) من استنباطه ، ( كما كان يفعله الصحابة ) رضوان اللّه عليهم لتلقيهم من أنوار النبوة ( والأئمة ) المتقدمون ، ( فأما من ليس له رتبة الاجتهاد ) وهو الاستقلال في الاجتهاد وهو شيء قد عدم منذ إعصار . تلك أمة قد خلت . ( وهو حكم أهل هذا العصر ) أي عصر المصنف ( وإنما يفتي فيه ناقلا ) بطريق التقليد ( عن مذهب صاحبه ) وإمامه الذي قلده ، ( فلو ظهر له ) فيما تأمله ( ضعف مذهبه لم يجز له أن ) ينسب الضعف إليه ولا أن ( يتركه ) والعمل به والافتاء للناس ، ( فأي فائدة له في المناظرة ) مع خصمه ( ومذهبه معلوم ) مدون ( ليس له الفتوى بغيره ) لتقيده