تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
المذهب وتمهيد أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن ، ولسنا ندري ما الذي يحدث اللّه فيما بعدنا من الاعصار ؟ فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم ، ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين .
شرح
أصول الفتاوى ) مع المحافظة عليها من هدم مخالف أو نقض مصادم ، ( فأكثروا فيها التصانيف ) والتعاليق منظومة ومنثورة . ( والاستنباطات ) الغريبة ( ورتبوا فيها أنواع المجادلات ) والخصومات ( والتصنيفات ) ، فمن ذلك تعليقة أبي زيد الدبوسي من الحنفية ، وخلافيات الحافظ البيهقي وغير هؤلاء . ( وهم مستمرون عليه إلى الآن ) أي إلى زمان تأليف الكتاب وهو سنة ثمان وتسعين وأربعمائة ( ولسنا ندري ما الذي قدر اللّه تعالى فيما بعدنا من الأعصار ) . قلت : ثم تعاظم الأمر في ذلك وأوسعوا فيه الكلام ومالوا إليه مرة واحدة ، بحيث لا يعد العالم فيما بينهم إلا إذا استكمل الخلاف والجدل ، وحصلت المناظرات بين الحنفية والشافعية وترتب على ذلك تخريب بعض البلاد وإجلاء بعض العلماء ، ومن أعظمها ما حصل بمرو أم مدن خراسان بسبب ابن السمعاني وغيره ، ( فهذا ) الذي ذكرت ( هو الباعث ) لهم ( على الإكباب ) والإقدام ( على الخلافيات والمناظرة ) والجدل ( لا غير ولو مالت نفوس أرباب الدنيا ) وأمرائها ( إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة ) غير من ذكروا ( أو إلى علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم ) ، كما اتفق لملوك الروم وميلهم إلى علوم الفلاسفة ، فاشتغل الناس بتحصيلها من كل وجه ، وامتلأت المدارس الشرعية بمن يحصلها وأوسعوا فيها من التآليف ، ووقعت الحكومات والمنافسات وأعطوا على ذلك أموالا ، فوجب صرف العناية إليها ولم تندثر تلك العلوم من بلاد الروم إلا عن قريب ، وهذا كما قيل : الناس على دين ملوكهم ، ( ولم يسكتوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم ) من تحصيله ( سوى التقرب إلى رب العالمين ) وقد أخطأوا فيما زعموا .وكل يدّعي وصلا بليلى * وليلى لا تقرّ لهم بذاكثم إن الشيخ رحمه اللّه تعالى ذكر سبب الإقبال على علم الخلاف والانكباب عليه ، ولم يذكر الأسباب الموجبة للخلاف في هذه الملة وهي ثمانية . الأول : اشتراك الألفاظ والمعاني . الثاني : الحقيقة والمجاز . والثالث : الافراد والتركيب . والرابع : الخصوص والعموم . والخامس : الرواية والنقل . والسادس : الاجتهاد فيما لا نص فيه ، والسابع : الناسخ والمنسوخ ، والثامن : الإباحة والتوسيع وتفصيل ذلك في كتاب ألفه أبو محمد عبد اللّه بن السيد البطليوسي وهو حسن في بابه فراجعه إن شئت .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 451 | مرتضى الزبيدي