تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
وكان قد بقي من علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأوّل وملازم صغو الدين ومواظب على سمت علماء السلف ، فكانوا إذا طلبوا هربوا وأعرضوا ، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات ، فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم ، فاشرأبوا لطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة ، فأكبوا على علم الفتاوى وعرضوا أنفسهم على الولاة ، وتعرفوا إليهم وطلبوا الولايات والصلات منهم ، فمنهم من حرم ومنهم من أنجح ، والمنجح لم يخل من ذل الطلب ومهانة الابتذال ، فأصبح الفقهاء - بعد أن كانوا
شرح
في الجوامع ، وكان الأمير إذا جلس للمظالم قعد عن يمينه وشماله مفتيان يرجع إليهما في القضاء والأحكام ويأمر الشرط بمثل ذلك ، فكان من الناس من يتعلم علم الفتيا والقضاء ليستعين بهم الولاة على الأحكام والقضاء ، حتى كثر المفتون رغبة في الدنيا وطلبا للجاه والرئاسة ، ثم أخلق الأمر بعد ذلك حتى تركت الولاة الاستعانة بالعلماء اه . ( وكان قد بقي من ) طبقة ( علماء التابعين من هو مستمر على الطراز الأول ) أصل الطراز علم الثوب ثم استعير للنمط والطريقة ، وبه فسر قول حسان :بيض الوجه كريمة أحسابهم * شم الأنوف من الطراز الأول( وملازم صغو الدين ) هو بكسر الصاد المهملة وسكون الغين المعجمة الجانب والناحية ( ومواضب على سمت ) أي طريقة ( علماء السلف ) من الصحابة ، ( وكانوا إذا طلبوا ) لتوليه القضاء والفتيا في الأحكام ( هربوا ) من بلد إلى بلد ، ومنهم من أظهر الجنون والتحامق ( واعرضوا ) عن ذلك بالكلية ، كما سيأتي تفصيله عن زيد بن أبي خراش أن الثوري لقي شريكا فقال بعد الفقه والخير تلي القضاء قال يا أبا عبد اللّه : وهل بد للناس من قاض ؟ فقال سفيان : وهل بد للناس من شرطي ؟ ( واضطر الخلفاء ) والأمراء ( إلى الإلحاح ) والحث في طلبهم ( لتوليه القضاء والحكومات ) في أمور الخلق فلم يمكنهم ذلك ، ومنهم من أدرك وولي كرها ، ( فرأى أهل تلك الأعصار ) الموجودين ( عز العلماء ) باللّه تعالى ( وإقبال الأئمة والولاة عليهم ) والإصغاء لقولهم ( مع إعراضهم عنهم ) وعدم التفاتهم إليهم ، كما هو معلوم لمن طالع تراجم الإمام أبي حنيفة ، وسفيان الثوري ، ومن في عصرهما من الأئمة ، ( فاشرأبوا ) أي مالت نفوسهم ( لطلب العلم ) أي علم الفتيا والأحكام ( توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه من قبل الولاة ) والحكام ، ( فاكبوا ) أي واظبوا . وفي نسخة : فاقبلوا ( على علم الفتيا ) وما يتعلق به تحصيلا واكتسابا ( و ) حين توشحوا بذلك ( عرضوا بأنفسهم ) وفي نسخة : نفوسهم ( على الولاة ) ليولوا تلك المناصب ، ( وتعرفوا إليهم ) بالوسائط والشفاعات ( وطلبوا الولايات ) للأعمال ( والصلات ) أي العطايا ( منهم ، فمنهم من حرم ) قصده أي منع ، ( ومنهم من أنجح ) أي أعطي له ما تمناه ، ( والمنجح ) منهم ( لم يخل عن ذل الطلب ومهانة الإبتذال )