يستصوب الخوض في الكلام وفتح باب المناظرة فيه . لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة والخصومات الفاشية المفضية إلى اهراق الدماء وتخريب البلاد ، ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي اللّه عنهما على الخصوص فترك الناس الكلام وفنون العلم وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص . وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد رحمهم اللّه تعالى وغيرهم ، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقرير علل
شرح
ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض ) أي لم ير الخوض ( في الكلام وفتح باب المناظرة ) والمجادلة ( فيه ) صوابا ( لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة ) والحميات الشيطانية ( والخصومات الفاشية ) الظاهرة . وفي نسخة الناشئة بالنون ( المفضية ) أي الموصلة ( إلى إهراق الدماء وإخراب البلاد ) . ومن أعظمها فتنة الوزير أبي نصر منصور بن محمد الكندي الذي كان معتزليا خبيث العقيدة متعصبا للكرامية والمجسمة في زمن السلطان طغرل بك السلجوقي فأدت إلى خروج إمام الحرمين ، والحافظ البيهقي ، والإمام أبي القاسم القشيري وغيرهم من أئمة السنة من نيسابور ، وقد طار شرر هذه الفتنة فملأ الآفاق ، وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق ، وعظم خطبها ونهبت البلاد وأخرجت البلدان .
وفي ذلك صنف القشيري رسالة إلى البلاد سماها ( شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة ) .
وقد جالت هذه الرسالة في البلاد وانزعجت نفوس أهل العلم بسببها حسبما أوردها مع تفصيل الفتنة ابن السبكي في طبقاته ، فراجعه إن شئت ( ومالت نفسه ) لذلك ( إلى المناظرة في الفقه ) فقط بالرد والنقض على المخالفين ( و ) اختار من ذلك ( بيان الأولى ) والأرجح ( من مذهب ) الإمام ( الشافعي ) والإمام ( أبي حنيفة رضي اللّه عنهما على الخصوص ) لشهرتهما وكثرة من قلد مذهبهما في غالب الأقطار ، ( فترك الناس الكلام وفنون العلم وأقبلوا ) . وفي نسخة : انثالوا ( على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص ) . وقد تقدم عن ابن خلدون قال في مقدمة تاريخه : لما انتهى الأمر إلى الأئمة الأربعة وكانوا بمكان من حسن الظن اقتصر الناس على تقليدهم ، فأقيمت هذه الأربعة أصولا للملة وأجري الخلاف بين المتمسكين بها فجرى الخلاف في النصوص الشرعية وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه يجري على أصول صحيحة ويحتج بها كل على صحة مذهبه اه .
( وتساهلوا في الخلاف مع مالك رحمه اللّه ) لأن أكثر مقلدي مذهبه مغاربة وهم بادية ، فلذلك لم يصنفوا فيه كتبا إلا ما كان من المتأخرين منهم ( وسفيان ) بن سعيد الثوري ( وأحمد ) بن حنبل لقلة مقلدي مذهبهما بالنسبة إلى الأولين ( وغيرهم ) من الأئمة .
( وزعموا أن غرضهم ) من ذلك ( استنباط ) أي استخراج ( دقائق الشرع ) وبيان المأخذ ( و ) معرفة القواعد التي يعرف منها ( تفريع ) وفي نسخة : تقرير ( علل المذهب وتمهيد