تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
علماء باللّه تعالى فقهاء في أحكامه ، وكانوا مشتغلين بالفتاوى في الأقضية ، فكانوا لا يستعينون بالفقهاء إلا نادرا في وقائع لا يستغنى فيها عن المشاورة ، فتفرغ العلماء لعلم الآخرة وتجردوا لها ، وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا ، وأقبلوا على اللّه تعالى بكنه اجتهادهم ، كما نقل من سيرهم ، فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ، اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم لاستفتائهم في مجاري أحكامهم ،
شرح
شرف الحسين السمرقندي المتوفي سنة 610 . والعلامة عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الدلجي المتوفي سنة 756 . ( أعلم أن الخلافة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تولاها الخلفاء الراشدون ) وهم الخلفاء الأربعة ، وعمر بن عبد العزيز ، ( وكانوا أئمة ) على الحق ( وعلماء باللّه تعالى ) أي بذاته وصفاته ( فقهاء في أحكامه ) وأوامره ( مشتغلين ) بأنفسهم ( بالفتاوى في الإقضية ) أي الأحكام ، ( فكانوا لا يستعينون بالفقهاء ) من الصحابة ( إلا نادرا في ) بعض ( وقائع ) ونوازل ( لا يستغنى فيها عن المشاورة ) كمسألة الجد والأخوات وغيرها ، كما سيأتي فكان الذي يتولى أمور الناس هو الذي يفتي في الأحكام ( فتفرغوا ) وفي نسخة : فتفرع العلماء ( لعلم الآخرة ) كعلم الإيمان واليقين المستفادين من القرآن والحديث ( وتجردوا له ) بهممهم وكليتهم ، ( وكانوا يتدافعون الفتاوى وما يتعلق بأحكام الخلق من الدنيا ) . قال صاحب القوت : وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما منهم من أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك . وفي لفظ آخر : كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر ، ويردها الآخر إلى الآخر حتى ترجع إلى الذي سئل عنها أول مرة . وسيأتي أنهم كانوا يتدافعون أربعة أشياء . الإمامة ، والوديعة ، والوصية ، والفتوى . وكان شغلهم في خمسة أشياء قراءة القرآن ، وعمارة المساجد ، وذكر اللّه تعالى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . ( واقبلوا على اللّه تعالى بكنه اجتهادهم ) أي خالصة وحقيقته ( كما نقل من سيرهم ) وشمائلهم ، ومن طالع كتاب الحلية لأبي نعيم وجد ما يشفي الغليل ، ( فلما أفضت الخلافة بعدهم إلى أقوام ) تغلبوا عليها بالمال والجاه ( وتولوها بغير استحقاق ) لها ، ولا أهلية للقيام بأركانها ( ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ) الشرعية لغلبة الجهل عليهم أو لاشتغالهم باللذات النفيسة ( اضطروا إلى الاستعانة بالفقهاء ) واحتاجوا لهم ( وإلى استصحابهم ) ومرافقتهم ( في جميع أحوالهم ) سفرا وحضرا ( لاستفتائهم في مجاري أحكامهم ) . وفي القوت قال عبد الرحيم الأسود وغيره من العلماء : إن علم الأحكام والفتاوى كان الولاة والأمراء يقومون به ، وترجع العامة إليهم فيه ، ثم ضعف الأمر وعجزت الولاة عن ذلك لميلهم إلى الدنيا وشغلهم بالحروب عنها ، فصاروا يستعينون على ذلك بعلماء الظاهر بالمفتين
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 447 | مرتضى الزبيدي