المذهب والزيادة عليها مجادلات لم يعرفها الأوّلون ولا الصحابة وكانوا أعلم بعلل الفتاوى من غيرهم ، بل هي مع أنها غير مفيدة في علم المذهب ضارة مفسدة لذوق الفقه ، فإن الذي يشهد له حدس المفتي إذا صح ذوقه في الفقه لا يمكن تمشيته على شروط الجدل في أكثر الأمر ، فمن ألف طبعه رسوم الجدل أذعن ذهنه لمقتضيات الجدل وجبن عن الاذعان لذوق الفقه ، وإنما يشتغل به من يشتغل لطلب الصيت والجاه ويتعلل بأنه يطلب علل المذهب ، وقد ينقضي عليه العمر ولا تنصرف همته إلى علم المذهب ، فكن من شياطين الجن في أمان ، واحترز من شياطين الانس ، فإنهم أراحوا شياطين الجن من التعب في الاغواء والاضلال ، وبالجملة فالمرضى عند العقلاء أن تقدر
شرح
مذكورة في ) كتب ( المذهب ) لم يغادر شيئا منها ( والزيادات عليها مجادلات ) وخصومات ( لم يعرفها الأولون ) من السلف في عصر اتباع التابعين ومن فوقهم عصر التابعين ( ولا الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ، بل كانوا ينكرون على ما يجادل ويحسمون مادة الخلافيات كما هو مشهور من سيرتهم ( وكانوا أعلم الناس بعلل الفتاوى من غيرهم ) لتنور بصائرهم واقتباسهم من مشكاة النبوة ( بل هي ) أي علل الفتاوى ( مع أنها غير مفيدة في علم المذهب ) لعدم احتياجه إليها ( فهي ضارة ) للفقيه ( مفسدة لذوق الفقه ) وسره ، ( فإن الذي يشهد له حدس المفتي ) وتخمينه ( إذا صح ذوقه في الفقه ) وتمكن منه ( لا يمكن تمشيته على شروط الجدل ) التي يذكرونها ( في أكثر الأمر فمن ألف طبعه ) من أصل جبلته ( رسوم الجدل ) وتعلق بها ( أذعن ذهنه ) وإنقاد ( لمقتضيات الجدل ) والخلافيات ( وجبن ) أي تأخر ونكص ( عن الإذعان لذوق الفقه ) والانقياد له ، ( و ) الحق ( إنما يشتغل به ) صارما عمره إليه ( من يشتغل بطلب الصيت ) وشهرة الاسم ( و ) تحصيل ( الجاه ) والمنزلة عند الأمراء والملوك ( ويتعلل ) للناس ( بأنه يطلب علل المذهب ) لا غير ، وإن قصده بذلك رفع عماد المذهب ونصرته ، ( وقد ينقضي عليه العمر ) النفيس ( ولا يصرف همته إلى علم المذهب ) إلا قليلا ( فكان من شياطين الجن في أمان ) فإنهم ينطردون عنك بالآيات والإذكار ، ولا يقربونك بمضرة ، وعداوتك وعداوتهم لك ظاهرة ، فيمكن دفعهم بأيسر شيء ( واحترز من شياطين الإنس ) وهم العلماء السوء ، ( فإنهم أراحوا شياطين الجن من التعب ) والمشقة ( في الأغواء والإضلال ) ، ولكثرة مخالطتهم مع الناس وكونهم على سمة العلماء ولا يمكن الاحتراز عنهم فيستفيد معاشرهم الإنحياد عن السلوك السوي ويقع في مخاطرة عظيمة ، وأعلم أن الشياطين على نوعين نوع يرى عيانا وهو شيطان الإنس وهم العلماء السوء ، ونوع لا يرى هو شيطان الجن ، وقد أمر اللّه سبحانه نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكتفي من شيطان الإنس بالإعراض عنه والعفو والدفع بالتي هي أحسن ، ومن شيطان الجن بالاستعاذة باللّه منه ، وجمع بين النوعين في سورة الأنعام وسورة فصلت ، والإستعاذة والقراءة والذكر أبلغ في دفع شياطين الجن والإعراض ، والدفع بالإحسان أبلغ في دفع شياطين الإنس :