تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
ما وهو عاجز عنه ، وإنما أنت ملبس عليه بقوة المجادلة ، وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه بمثله قبل أن يشتد التعصب للأهواء ، فإذا اشتد تعصبهم وقع اليأس منهم ، إذ التعصب سبب يرسخ العقائد في النفوس وهو من آفات العلماء السوء ، فإنهم يبالغون في التعصب للحق وينظرون إلى المخالفين بعين الازدراء والاستحقار ، فتنبعث منهم الدعوى بالمكافأة والمقابلة والمعاملة ، وتتوفر بواعثهم على طلب نصرة الباطل ، ويقوى غرضهم في التمسك بما نسبوا إليه ، ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة والنصح في الخلوة - لا في معرض التعصب والتحقير - لنجحوا فيه ، ولكن لما كان الجاه لا يقوم إلا بالاستتباع ولا يستميل الاتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم ، اتخذوا التعصب عادتهم وآلتهم ، وسموه ذبا عن الدين ونضالا عن المسلمين ، وفيه على التحقيق هلاك الخلق ورسوخ البدعة في النفوس .
شرح
هو عاجز عنه ، ( وإنما أنت ملبس بقوة المجادلة عليه ) هكذا شأن المبتدعة إذا أفحموا ، ( وأما العامي إذا صرف عن الحق بنوع جدل يمكن أن يرد إليه ) أي إلى الحق ( بمثله ) ولكن ذلك ( قبل أن يشتد التعصب ) منه ( للأهواء ) المتصلة بفراغ قلبه عن الهوى وتزلزله ، فأي معتقد ورد عليه قبله ثم عن قريب إذا رد إلى شيء آخر قبله ، كذلك ( فإذا اشتد تعصبهم ) للأهواء ومرنوا على ذلك وتمكن فيهم ذلك المعتقد الفاسد ( وقع اليأس منهم ) ، ولم ينفع العلاج فيهم ( إذ التعصب سبب ) قوي ( يرسخ ) أي يثبت ( العقائد في النفوس ) ويركزها فيها ، ( وهذا أيضا من آفات العلماء السوء ) الآكلين بدنياهم ( فإنهم يبالغون للتعصب للحق ) أي لإظهاره ( وينظرون إلى المخالفين ) لهم ( بعين الازدراء والاستحقار ) والإنكار الشديد ، ( فينبعث ) أي يتحرك ( منهم ) من المخالفين ( الدواعي ) المهيجة ( بالمكافأة ) أي المجازاة ( والمقابلة ) فيسبوا اللّه عدوا بغير علم ، ( وتتوفر بواعثهم على نصرة باطلهم ) . وفي نسخة : نصرة الباطل ، ( ويقوي غرضهم ) وقصدهم ( في التمسك بما نسبوا إليه ) من فساد العقيدة ، وهذا منشؤه من سوء النظر في البحث وتشنيعهم عليهم في المجالس على ملأ من الناس ، ( ولو جاءوا من جانب اللطف والرحمة ) والشفقة عليهم مع خلوص القلب من التعصبات ( والنصح في الخلوة ) عن الناس ، ( لا في معرض التعصب ) عليهم ( والتحقير ) لشأنهم ( لنجحوا فيه ) وأفادوا ، ( ولكن لما كان الجاه لا يقوم ) ركنه ( إلا بالاستتباع ) أي طلب الاتباع ( ولا يستميل ) خواطر ( الاتباع مثل التعصب واللعن والشتم للخصوم ) والازدراء بهم بكل ما أمكن ، ( واتخذوا التعصب عادتهم ) وتساوى في ذلك صغارهم وقادتهم ( و ) جعلوا ذلك ( آلتهم ) وحرفتهم ، ( وسموه ) بحسب ظنهم الفاسد ( ذبا عن الدين ) أي دفعا عنه ( ونضالا ) أي مناضلة ومدافعة ( عن المسلمين ، وفيه على التحقيق ) إذا تأملوا ( هلاك الخلق ) لتقليدهم إياه في ذلك ( ورسوخ البدعة في النفوس ) فلا حول ولا قوة إلا باللّه .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 438 | مرتضى الزبيدي