تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وأما الخلافيات التي أحدثت في هذه الأعصار المتأخرة وأبدع فيها من التحريرات والتصنيفات والمجادلات ما لم يعهد مثلها في السلف فإياك وأن تحوم حولها ، واجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال وهو الذي ردّ الفقهاء كلهم إلى طلب المنافسة والمباهاة على ما سيأتيك تفصيل غوائلها وآفاتها . وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال : الناس أعداء ما جهلوا فلا تظن ذلك ، فعلى الخبير سقطت ، فاقبل هذه النصيحة ممن ضيع العمر فيه زمانا ، وزاد فيه على الأوّلين تصنيفا وتحقيقا وجدلا وبيانا ، ثم ألهمه اللّه رشده وأطلعه على عيبه فهجره واشتغل بنفسه ، فلا يغرنك قول من يقول الفتوى عماد الشرع ولا يعرف علله إلا بعلم الخلاف ، فإن علل المذهب مذكورة في
شرح
( وأما الخلافيات ) وهي المسائل التي فيها خلاف المذاهب ( التي أحدثت في هذه الأعصار ) أي الأزمان ( المتأخرة ) وهو القرن الرابع ( وأبدع فيها من التحريرات ) المستقصية ( والتصنيفات ) المستفيضة ( والمجادلات ) الهائلة ( ما لم يعهد مثلها ) ولم يعرف ( في ) أيام ( السلف ) المتقدمين ، ( فإياك ) أيها السالك طريق الآخرة ( وأن تحوم حولها ) وتتعب في تحصيلها وتعول عليها ، ( فاجتنبها اجتناب السم القاتل ) ولو حسنت عباراتها وراقت معانيها فإنما مثل من يحاولها كمن يحاول حية نظر اللين مجسها وحسن شكلها فيجعلها طوقا في عنقه فتلدغه ، ( فإنه الداء العضال ) الذي لا برء له ( وهو الذي رد الفقهاء كلهم ) وصرفهم بسببه ( إلى طلب المنافسة ) والإعجاب والكبر ( والمباهاة ) أي المفاخرة مع التعصب الشديد ( على ما سيأتيك تفصيل غوائلها ) أي مهلكاتها ( وأفاتها ) في كتاب ذم الغرور . ( وهذا الكلام ربما يسمع من قائله ) المنكر لذلك ( فيقال : الناس أعداء ما جهلوا ) فينزل قائله غير منزلته وينسبه إلى الجهل والتسفيه وعدم الذوق السليم من الفطرة وهي كلمة حق أريد بها باطل ، ( فلا تظن ذلك ) بالقائل فإن بعض الظن إثم ، ( فعلى الخبير ) العارف الماهر ( سقطت ) أي نزلت ( فيه ) وهو مثل مشهور ، ( واقبل هذه النصيحة ) المحضة ( ممن ضيع العمر ) ونقد صرفه ( فيه زمانا ) واشتغل به كثيرا ( وزاد فيه على الأولين ) ممن سبق في كل فن ( تصنيفا وتحقيقا جدلا وبيانا ) حتى في علم السحر والسيمياء والنجوم والكيمياء ، كما هو معروف لمن أمعن في ترجمته ، ( ثم ألهمه اللّه رشده ) وبصره بنفسه ( وأطلعه على عيبه ) بتوفيق من اللّه تعالى وحسن عنايته ، وذلك بعد رجوعه من أرض الحرمين ( فهجره ) أي تركه كله وساح وتجرد ( واشتغل بنفسه ) باستعمال الرياضات والمجاهدات والاقتناع بأقل الأقوات مع كثرة من يعظمه من أرباب الدنيا ويأتون إليه بالأموال ، فلم يرفع رأسه إليهم ولا إليها ، ومضى على ذلك إلى آخر عمره على جميل وسداد وهو يشير إلى قول من قال : سل المجرب ولا تسأل طبيبا ، ( ولا يغرنك قول من يقول الفتوى عماد الشرع ) وركنه الذي يأوي إليه ( ولا تعرف علله ) الخفية ( إلا بعلم الخلاف ) ولا تظهر ثمرتها إلا به ، ( فإنه علل المذهب