الزروع والرياحين ، وإن لم تفرغ من ذلك لم تنبت ذاك ، فلا تشتغل بفروض الكفاية لا سيما وفي زمرة الخلق من قد قام بها ، فإن مهلك نفسه فيما به صلاح غيره سفيه ، فما أشد حماقة من دخلت الأفاعي والعقارب تحت ثيابه وهمت بقتله وهو يطلب مذبة يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه مما يلاقيه من تلك الحيات والعقارب إذا همّت به . وإن تفرغت من نفسك وتطهيرها وقدرت على ترك ظاهر الاثم وباطنه وصار ذلك ديدنا لك وعادة متيسرة فيك وما أبعد ذلك منك - فاشتغل بفروض الكفايات وراع التدريج فيها ، فابتدئ بكتاب اللّه تعالى ثم بسنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم بعلم التفسير وسائر علوم القرآن من علم الناسخ والمنسوخ ، والمفصول والموصول ، والمحكم
شرح
( فالأرض إذا نقيت ) ونظفت ( من الحشيش ) الذي يضر بالأرض ويأخذ قوتها ولا ينتفع به ( نبتت فيها ) أي صلحت لأن تنبت فيها ( أصناف الزروع ) المنتفع بها ، ( و ) أنواع ( الرياحين ) الطيبة ، ( فإن لم يفرغ ) أي إن لم يخل القلب ( من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات ) اشتغالا كليا ( لا سيما وفي الخلق من قد قام به ) كثيرا وهي فيها صلاح الغير ، ( فإن مهلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه ) ناقص العقل والرشد ( فما أشد حماقة ) أي فسادا في العقل ( من دخلت الأفاعي ) وهي الحيات ( والعقارب داخل ثيابه وهمت ) أي قصدت ( بقتله ) بالنهش واللسع ( وهو يطلب ) لنفسه ( مذبة ) وهي بكسر الميم المنشة ( يدفع بها الذباب عن غيره ممن لا يغنيه ولا ينجيه ) ولا يخلصه ( مما يلاقيه من ) ضرر ( تلك الحيات والعقارب إذا هممن ) وقصدت إتلافه ، ( فإن تفرغت من ) النظر إلى ( نفسك وتطهيرها وقدرت ) بتوفيق اللّه تعالى وحسن إعانته ( على ترك ظاهر الإثم وباطنه ) . قال السمين : ظاهر الإثم ما يطلع عليه الخلق وباطنه ما يختص بعلمه تعالى ( وصار ذلك ديدنا لك وعادة متيسرة ) أي مسهلة ( فيك وما أبعد ذلك ) عنك إلّا أن صادفتك العناية الربانية ، ( فاشتغل بفروض الكفايات ) حينئذ ( وراع التدريج ) والترتيب ( فيها ) وقدم الأهم فالأهم بحسب الاقتضاء ، ( فابدأ بكتاب اللّه تعالى ) بالترتيل والتدبير في معانيه وحكمه وإشاراته ، ( ثم سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ) بتلقيها عن أربابها حفظا في كل منهما وضبطا ، ( ثم بعلم التفسير ) بما تيسر لك من الكتب المؤلفة فيه كما سيأتي بيانها وإياك ثم إياك من مطالعة مثل الكشاف وتفسير الفخر ، ففي كل منهما إشكالات وتشكيكات لا ينبغي سماعها ، فإنها تحير وتمرض وتردي ولا تشفي غليلا ، وأقوال السلف في التفسير ، مليحة لكنها ثلاثة أقوال وأربعة أقوال ، فيضيع الحق بين ذلك ، فإن الحق لا يكون في جهتين ، وربما احتمل اللفظ معنيين فأكثر عبر كل منهم عن واحد منها فهذا لا بأس به . ( وسائر علوم القرآن ) المتعلقة به ( من علم الناسخ والمنسوخ ) . قال الراغب : النسخ إزالة شيء بشيء يعقبه ، فتارة يفهم منه الإزالة ، وتارة يفهم منه الاثبات ، وتارة الأمران ونسخ الكتاب إزالة حكم بحكم يعقبه . وقال الأصوليون :