تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
الخلاف ، ثم بأصول الفقه ، وهكذا إلى بقية العلوم على ما يتسع له العمر ويساعد فيه الوقت ، ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلبا للاستقصاء ، فإن العلم كثير والعمر قصير ، وهذه العلوم آلات ومقدمات وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها ، وكل ما يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ويستكثر منه ، فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به ، ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث ، ودع التعمق فيه ، واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنّة فما من علم إلّا وله اقتصار
شرح
الحاجة ، وهذا إن تطلعت نفسك إلى مرتبة الاجتهاد وانفت التقليد لإمامك ، وأما إن زعمت أن الاجتهاد قد انقطع فلا فائدة في تعلم هذا العلم إلا لمن يصير محصله مجتهدا به ، فإذا عرفه ولم يفك تقليد إمامه لم يصنع شيئا ، بل أتعب نفسه وركب على نفسه الحجة في مسائل وإن كان تحصيله لأجل الوظائف وليقال ، فهذا من الوبال وضرب من الخبال والكتب المؤلفة فيه كثيرة تغني شهرتها عن ذكرها ، فمن الكتب المتوسطة فيه المنار للنسفي ، وجمع الجوامع لابن السبكي ، والمنهاج للبيضاوي . ( وهكذا إلى بقية العلم على ما يتسع لك العمر ويساعد فيه الوقت ) وتحتاج إليه مع زيادة ونقص حسب اقتضاء الحال ، ( ولا تستغرق عمرك في فن واحد منه ) أي مما ذكر حاله كونك ( طالبا الاستقصاء ) فيه والبلوغ إلى نهايته ، ( فإن العلم كثير ) بأقسامه وأنواعه ( والعمر قصير ) فخذ من كل شيء أحسنه ( وهذه العلوم ) التي ذكرناها كلها ( آلات ) ووسائل ( ومقدمات ) يصل بها الإنسان إلى المقاصد ، ( وليست ) هي ( مطلوبة بعينها ) أي لذاتها ( بل لغيرها ) التي هي المقاصد ( وكلما يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ) الأعظم ( ويستكثر منه فاقتصر من علم اللغة على ) قدر ( ما تفهم به كلام العرب وتنطق به ) ، فعليك بمطالعة مختصر الصحاح للرازي والمصباح للفيومي ، وإن أردت الزيادة فلا تعدون عيناك عن الصحاح للجوهري ، أو العباب للصاغاني ، أو المجمل لابن فارس ، وإن أردت الزيادة فالقاموس المحيط للفيروزابادي الجامع للغات العرب فصحيحه وغريبه وحواشيه أو التهذيب للأزهري أو المحكم لابن سيده ، ( و ) اقتصر ( من غريبه ) أي علم اللغة ( على غريب القرآن وغريب الحديث ) . قال الخطابي : الغريب من الكلام هو الغامض البعيد من الفهم وهو على وجهين . أحدهما : أن يراد به انه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة فكر ، والثاني : أن يراد به كلام من بعدت به الدار من شواذ قبائل العرب ، فإذا وقعت إلينا الكلمة من كلامهم استغربناها اه . ومن الكتب المؤلفة في غريب القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى والعزيزي ، وأما غريب الحديث فقد اعتنى كثيرون بتأليفه وتهذيبه أشهرهم الحرمي ، وأبو عبيد ، وأبو موسى المديني ، وممن جمع بينهما أبو سليمان الخطابي ، وأبو عبيد الهروي ، وابن الأثير صاحب النهاية ، والزمخشري في الفائق وغير هؤلاء . ( ودع التعمق فيه ) فإنه لا نهاية له ( واقتصر من ) علم ( النحو على