تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
واستقصاء وراء ذلك الاقتصاد لا مردّ له إلى آخر العمر ، فكن أحد رجلين : إما مشغولا بنفسك وإما متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك ، وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك ، فإن كنت المشغول بنفسك فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك بحسب ما يقتضيه حالك ، وما يتعلق منه بالأعمال الظاهرة من تعلم الصلاة والطهارة والصوم ، وإنما الأهم الذي أهمله الكل علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم ، إذ لا ينفك بشر عن الصفات المذمومة مثل الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها ، وجميع ذلك مهلكات ، وإهمالها مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة
شرح
يقال فيما له طرف محمود وطرف مذموم كالخير والشر ، ( واستقصاء وراء الاقتصاد ) وهي المرتبة الثالثة ( لا مردّ له إلى آخر العمر ) أي شيء لا نهاية له يعجز العمر عن تحصيله ، ( فكن أحد رجلين ) وفي نسخة : أحد الرجلين ( إما ) رجل ( مشغول بنفسك ) في إصلاحها ( وإما ) رجل ( متفرغ إلى غيرك بعد الفراغ من نفسك ) وفي بعض النسخ أما مشغولا وإما متفرغا بالنصب فيهما ( وإياك ) ثم إياك ( أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل اصلاح نفسك ) ، فإن إصلاح النفس مقدم ابدأ بنفسك ثم بمن تعول . قال صاحب القوت : العبد يسئل غدا فيقال ما ذا عملت فيما علمت ولا يقال له فيما علم غيرك اه . فالاشتغال بما يصلح علم الغير قبل الاشتغال بما يصلح النفس مضر مهلك كيف ، وقد قال اللّه تعالى :( وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ )[ الروم : 56 ] ففرق بينهما فمن أوتي إيمانا ويقينا أوتي علما كما أن من أوتي علما نافعا أوتي إيمانا ، وهذا لا يحصل إلا بمعرفة خواطر النفس وإزالة ما يهلكها ، ( فإن كنت مشغولا بنفسك ) بإصلاحها ، وفي نسخة : فإن كنت المشغول بنفسك ( فلا تشتغل إلا بالعلم الذي هو فرض عليك ) ما فرض اللّه عليك ( بحسب ما يقتضيه حالك وما يتعلق منه بالأعمال الظاهرة ) المتعلقة بالجوارح ( من تعلم الصلاة والطهارة والصوم ) وما يصحح كلا من ذلك وما يفسده وقدم الصلاة هنا في الذكر لكونها المقصود الأعظم ، وإن كانت الطهارة تتقدمها تقدم الوسائل ، وكذا تعلم الحج إن وجب عليه وغير ذلك ، ( وإنما الأهم الذي أهمله الكل ) وأعرضوا عنه ( علم صفات القلب وما يحمد منها وما يذم ) إذ علم الألسنة والفتيا مردود إلى علم القلوب وقد درس معرفة هذا العلم فصار كل من نطق بكلام غريب على السامعين لا يعرف حقه من باطله سمي عالما ، وكل كلام مستحسن زخرف رونقه لا أصل له يسمى صاحبه عالما لجهل العالم بالعلم أي شيء هو . ( إذ لا ينفك بشر عن الصفات المذمومة ) التي ركبت فيه ( من الحرص والحسد والرياء والكبر والعجب وأخواتها ) مما سيأتي بيانها في المهلكات ، ( وجميع ذلك ) صفات ( مهلكات ) للإنسان ( وإهمالها ) رأسا ( مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة يضاهي ) أي يشابه ( الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذي بالجرب ) والحكة