تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
وأما العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص ، فهي العلوم التي أوردناها في فروض الكفايات ، فإن في كل علم منها اقتصارا وهو الأقل ، واقتصادا وهو الوسط ،
شرح
يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى اللّه وأذى الخلق ويتحمل ذلك كله للّه ، وإذا استكمل هذه المراتب الأربع صار من الربانيين ، فإن السلف مجمعون على أن العالم لا يستحق أن يسمى ربانيا حتى يعرف الحق ويعمل به ويعلمه ، فمن علم وعمل وعلّم فذاك يدعى عظيما في ملكوت السماء . وأما جهاد الشيطان فمرتبتان . إحداهما : جهاده على رفع ما يلقي إلى العبد من الشبهات والشكوك القادحة في الإيمان ، والثانية : جهاده على دفع ما يلقى إليه من الإرادات والشهوات ، فالجهاد الأول يكون بعد اليقين ، والثاني بعد الصبر قال تعالى :( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ )[ السجدة : 24 ] ، فأخبر أن إمامة الدين إنما تنال بالصبر واليقين ، فبالصبر تدفع الشهوات والإرادات واليقين يدفع الشكوك والشبهات . وأما جهاد الكفار والمنافقين ؛ فأربع مراتب بالقلب واللسان والمال والنفس . وجهاد الكفار أخص باليد ، وجهاد المنافقين أخص بالبيان . وأما جهاد أرباب الظلم والمنكرات والبدع فثلاثة مراتب . الأولى باليد إذا قدر فإن عجز انتقل إلى اللسان فإن عجز جاهد بقلبه ، فهذه ثلاث عشرة مرتبة من الجهاد ، ثم قال : وفرض عليه جهاد نفسه في ذات اللّه وجهاد شيطانه وهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد . وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفي فيه ببعض الأمة إذا حصل منهم مقصوده وأكمل الخلق عند اللّه من كمل مراتب الجهاد كلها والخلق متفاوتون في منازلهم عند اللّه تعالى تفاوتهم في مراتب الجهاد ، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على اللّه تعالى خاتم أنبيائه ورسله ، فإنه كمل مراتب الجهاد وجاهد في اللّه حق جهاده صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم قال : والمقصود إن اللّه تعالى اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ويبتليها ويخلصها بكثير الامتحان كالذهب الذي لا يصفو ولا يخلص من غشه إلا بالامتحان إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية ، فإن خرج في هذه الدار وإلا ففي كير جهنم ، فإذا هذب العبد ونقي أذن له في دخوله الجنة اه . وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ بالمجاهدة والرياضة ليكون بها أهلا للدخول في حضرة المشاهدة ، ومن جاهد في اللّه هدي إلى صراط مستقيم وفاز بالنعيم المقيم . ( وأما العلوم التي لا يحمد منها ) للمشتغل ( إلا مقدار مخصوص ) لا يتجاوز عنه ، ( فهي العلوم التي أوردناها ) ببيانها ( في فروض الكفايات ) في أوّل الباب ، ( فإن في كل علم ) وفي بعض النسخ فإن لكل علم ( منها اقتصارا ) على القدر الواجب ( هو الأقل ) مما يحتاج إليه ( واقتصادا هو الوسط ) بتحريك السين وهو ماله طرفان متساويا القدر ، ويقال ذلك في الكمية المتصلة كالجسم الواحد ، وفي الكمية المنفصلة كشيء يفصل بين جسمين والطرفان قد يكونان مذمومين فيستعمل استعمال القصد المصون من الإفراط والتفريط فيمدح به ، وتارة