في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وأما المازري فمعذور لأنه مغربي ، وكانت المغاربة لما وقع بهم كتاب الإحياء لم يفهموه فحرفوه ، فمن تلك الحالة تكلم المازري ، ثم إن المغاربة بعد ذلك أقبلوا عليه ومدحوه بقصائد منها قصيدة أوّلها :
أبا حامد أنت المخصص بالحمد * وأنت الذي علمتنا سنن الرشد
وضعت لنا الاحياء يحيي نفوسنا * وينقذنا من ربقة المارد المردي
وهي طويلة وإن كنت لا أرضى بقوله أنت المخصص بالحمد ويتأوّل لقائله أنه أراد من بين أقرانه أو من بين من يتكلم فيه ، وأين نحن ومن فوقنا ومن فوقهم من فهم كلام الغزالي ، والوقوف على مرتبته في العلم والدين والتأله ، ولا ينكر فضل الشيخ ابن الصلاح وفقهه وحديثه ودينه وقصده الخير ، ولكن لكل عمل رجال ، ولا ينكر علو رتبة المازري ولكن كل حال لا يعرفه من لم يذقه أو يشرف عليه ، وكل أحد إنما يتكيف بما نشأ عليه ووصل إليه ، ثم قال : وإن كان في الأحياء أشياء يسيرة تنتقد لا ترفع محاسن أكثره التي لا توجد في كتاب غيره ، وكم من منقبة للغزالي وقد أطال في الكلام فراجعه في طبقات ولده فإنه نفيس في الباب . وفي الجزء التاسع عشر من تذكرة الحافظ جلال الدين السيوطي قال : ومما وقع للعلماء من ضرب المثل لأهل عصرهم بالآيات ما وقع لحجة الإسلام الغزالي في كتابه الانتصار لما في الإحياء من الأسرار حين أنكر عليه علماء عصره مواضع منه ألف الكتاب المذكور لجواب ما أنكروه فقال في أوّله ما نصه :
سألت يسرك اللّه لمراتب العلم تصعد مراقيها وقرب لك مقامات الولاية تحل معاليها في بعض ما وقع في الإملاء الملقب بالإحياء مما أشكل على من حجب فهمه وقصر علمه ولم يفز بشيء من الحظوظ الملكية قدحه وسهمه ، وأظهرت التحزن لما شاش به شركاء الطعام ، وأمثال الأنعام ، وإجماع العوام ، وسفهاء الأحلام ، وذعار أهل الإسلام ، حتى طعنوا عليه ونهوا عن قراءته ومطالعته وأفتوا بمجرد الهوى على غير بصيرة باطراحه ومنابذته ونسبوا ممليه إلى ضلال وإضلال ، ونبذوا قراءة ومنتحليه بزيغ في الشريعة واختلال ، فإلى اللّه انصرافهم ومآبهم ، وعليه في العرض الأكبر إيقافهم وحسابهم فستكتب شهادتهم ويسألون
( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ )
[ الشعراء : 227 ] بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه
( وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ )
[ الأحقاف : 11 ]
( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )
[ النساء : 83 ] ولكن الظالمون في شقاق بعيد ، ولا عجب فقد ثوى أدلاء الطريق ، وذهب أرباب التحقيق ، فلم يبق في الغالب إلا أهل الزور والفسوق متشبثين بدعاوى كاذبة ، متصفين بحكايات موضوعة ، متزينين بصفات منمقة ، متظاهرين بظواهر بالعلم فاسدة ومتقاطعين بحجج غير صادقة . كل ذلك لطلب دنيا أو محبة ثناء أو مغالبة نظراء . قد ذهبت المواصلة بينهم بالبر ، وتألفوا جميعا على الفعل المنكر ، وعدمت النصائح منهم في الأمر ، وتصافوا بأسرهم على الخديعة والمكران إن نصحتهم العلماء أغروا بهم ، وإن صمت عنهم العقلاء أزروا عليهم أولئك الجهال في علمهم الفقراء في طولهم البخلاء عن اللّه عز وجل بأنفسهم لا يفلحون ، ولا ينجح تابعهم ، ولذلك لا تظهر عليهم موارثة الصدق ، ولا تسطع حولهم أنوار الولاية ، ولا