تتحقق لديهم إعلام المعرفة ، ولا يستر عوراتهم لباس الخشية ، لأنهم لم ينالوا أحوال النقباء ، ومراتب النجباء ، وخصوصية البدلاء ، وكرامات الأوتاد وفوائد القطب . وفي هذه أسباب السعادة ، وتتمة الطهارة . ولو عرفوا أنفسهم لظهر لهم الحق ، وعلموا علة أهل الباطن وداء أهل الغضب ودواء أهل القوّة ، ولكن ليس هذا من بضائعهم . حجبوا عن الحقيقة بأربعة بالجهل والإصرار ومحبة الدنيا وإظهار الدعوى ، فالجهل أورثهم السخف ، والإصرار أورثهم التهاون ، ومحبة الدنيا أورثتهم طول الغفلة ، وإظهار الدعوى أورثهم الكبر والإعجاب والرياء ، واللّه من ورائهم محيط وهو على كل شيء شهيد ، فلا يغرنك أعاذنا اللّه وإياك من أحوالهم شأنهم ، ولا يذهلنك عن الاشتغال بصلاح نفسك تمردهم وطغيانهم ، ولا يغوينك بما زيّن لهم من سوء أعمالهم شيطانهم ، فكان قد جمع الخلائق في صعيد ، وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد وتلا :
( لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )
[ ق : 22 ] فيا له موقفا قد أذهل ذوي العقول من القال والقيل ومتابعة الأباطيل ، فأعرض عن الجاهلين ولا تطع كل أفاك أثيم ، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية . ولو شاء اللّه لجعل الناس أمة واحدة ، فاصبر حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين :
( كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )
[ القصص : 88 ] إلى هنا كلام الغزالي .
تنبيه : [ انكار على الإمام الغزالي في مواضع من الإحياء ]
وقد أنكر على الإمام الغزالي في مواضع من الإحياء منها ما هو قول منسوب إليه ، ومنها ما نقله عن غيره من العارفين وأثبته وسكت عليه ، فمن ذلك قوله فيه ليس في الامكان أبدع مما كان قالوا هذا يفهم منه العجز في الجناب الإلهي ، وهو كفر صريح ، وقد أجاب عنه القطب سيدي عبد الوهاب الشعراني في كتابه الأجوبة المرضية عن أئمة الفقهاء والصوفية بثلاثة أجوبة .
الأوّل : نقلا عن القطب ابن عربي ؟ والثاني نقلا عن عبد الكريم الجبلي ، والثالث نقلا عن الشيخ محمد المغربي شيخ الجلال السيوطي ، وكل من الأجوبة الثلاثة قد أوردها شيخ مشايخنا سيدي أحمد ابن مبارك السجلماسي في كتابه ( الذهب الابريز ) وبسط الكلام عليه ، ورأيت ذلك بعينه في تأليف الشعراني المذكور بخط أحد تلامذته . قال أحمد بن مبارك ، وقلت لبعض الفقهاء ما قولك في قول أبي حامد ليس في الإمكان أبدع مما كان ؟ فقال : قد تكلم عليه الشعراني وغيره ، فقلت : إنما أسألك عما عندك فيه فقال لي : وأي شيء عندي فيه ، فقلت : ويحك إنها عقيدة أرأيت لو قال القائل هل يقدر ربنا جل جلاله على إيجاد أفضل من هذا الخلق ، فقال : أقول له ان مقدورات اللّه لا تتناهى فيقدر على إيجاد أفضل من هذا الخلق بألف درجة ، وأقل من هذا الأفضل ، وهكذا إلى ما لا نهاية له ، فقلت : وقوله ليس في الإمكان أبدع مما كان ينافي ذلك ، فتفطن عند ذلك للعبارة المنسوبة لأبي حامد رحمه اللّه تعالى ، وهكذا وقع لي مع كثير من الفقهاء ، فإذا سألتهم عن عبارة أبي حامد استشعروا جلالة قدره فتوقفوا ، فإذا بدلت العبارة وعبرت بما سبق في سؤالنا للعامة جزموا بعموم القدرة وعدم نهاية المقدورات . قال : وقد اختلف العلماء في هذه المقالة المنسوبة إلى أبي حامد على ثلاث طرائق .