تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري جليلها ودقيقها لا يتعداها خطوة ويبدع من خالفه ولو في النزر اليسير ، وهو مع ذلك مالكي المذهب شديد الميل إلى مذهبه كثير المناضلة عنه ، وهذان الامامان أعني إمام الحرمين وتلميذه الغزالي وصلا من التحقيق وسعة الدائرة في العلم إلى المبلغ الذي يعلم كل منصف بأنه ما انتهى إليه أحد بعدها ، وربما خالفا أبا الحسن في مسائل من علم الكلام والقوم . أعني الأشاعرة لا سيما المغاربة منهم يستصعبون هذا الصنع ولا يرون مخالفة أبي الحسن في نقير ولا قطمير ، وربما ضعفا مذهب مالك في كثير من المسائل كما فعلا في مسألة المصالح المرسلة ، وعند ذكر الترجيح بين المذاهب ، فهذان أمران يغص المازري منهما ، وينضم إلى ذلك أن الطرق شتى مختلفة ، وقلما رأيت سالك طريق إلا ويستقبح الطريق التي لم يسلكها ، ولم يفتح عليه من قبلها ، ويضع عند ذلك من أهلها لا ينجو من ذلك إلا القليل من أهل المعرفة والتمكن ، ولقد وجدت هذا واعتبرته حتى في مشايخ الطريقة ، ولا يخفى ان طريقة الغزالي التصوّف والتعمق في الحقائق ومحبة إشارات القوم ، وطريقة المازري الجمود على العبارات الظاهرة والوقوف معها ، والكل حسن وللّه الحمد إلّا ان اختلاف الطريقين يوجب تباين المزاحين وبعد ما بين القلبين ، لا سيما وقد انضم إليه ما ذكرناه من المخالفة في المذهب . وتوهم المازري إنه يضع من مذهبه وأنه يخالف شيخ السنّة الأشعري حتى رأيته أعني المازري قال في شرح البرهان في مسألة خالف فيها إمام الحرمين أبا الحسن الأشعري ليست من القواعد المعتبرة ، وإلّا المسائل المهمة من خطأ شيخ السنّة أبا الحسن الأشعري فهو المخطئ ، وأطال في هذا وقال في الكلام على ماهية العقل في أوائل البرهان ، وقد حكى أن الأشعري يقول : العقل العلم وأن الإمام رضي مقالة الحرث المحاسبي أنه غريزة بعد أن كان في الشامل أنكرها أنه إنما رضيها لكونه في آخر عمره قرع باب قوم آخرين يعني يشير إلى الفلاسفة ، فليت شعري ما في هذه المقالة مما يدل على ذلك ، وأعجب من هذا أنه أعني المازري في آخر كلامه اعترف بأن الإمام لا ينحو نحوهم ، وأخذ يجل من قدره وله من هذا الجنس كثير فهذه أمور توجب التنافر بينهم ، وتحمل المنصف على أن لا يسمع كلام المازري فيهما إلا بعد حجة ظاهرة ، ولا تحسب أن نفعل ذلك ازراء بالمازري وحطا من قدره . لا واللّه بل تبيينا لطريق الوهم عليه وهو في الحقيقة بيان لعذره ، فإن المرء إذا ظن بشخص سوءا قلما أمعن النظر بعد ذلك في كلامه ، بل يصير بأدنى لمحة يحمل أمره على السوء ويكون مخطئا في ذلك إلا من وفق اللّه ممن برئ من الأغراض ولم يظن إلّا الخير وتوقف عند سماع كل كلمة ، وذلك مقام لم يصل إليه إلا الآحاد من الخلق ، وليس المازري بالنسبة إلى هذين الإمامين من هذا القبيل ، وقد رأيت ما فعله في حق الإمام في مسألة الاسترسال وكيف وهم على الإمام وفهم عنه ما لا تفهمه العوام وفوق نحوه سهم الملام ، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن ما ادّعاه أنه عرف مذهبه بحيث قام له مقام العيان كلام عجيب ، فإنا لا نجيز أن نحكم على عقيدة أحد بهذا الحكم ، فإن ذلك لا يطلع عليه إلا اللّه ، ولن تنتهي إليها القرائن والأخبار أبدا وقد وقفنا نحن على غالب كلام الغزالي وتأملنا كتب أصحابه الذين شاهدوه وتناقلوا أخباره وهم به أعرف من المازري ، ثم لم ننته إلى أكثر من غلبة الظن بأنه رجل أشعري العقيدة خاض في كلام