الشعراني في كتابه الأجوبة المرضية : ومما أنكروه على الغزالي قوله يباح للصوفية تمزيق ثيابهم عند غلبة الحال إن قطعت قطعا مربعة تصلح لترقيع الثياب والسجادات ، كما يجوز تمزيق الثوب ليرقع به قميص آخر قال المنكر : ولقد عجبت من هذا الرجل يعني الغزالي كيف استلبه حب مذهب الصوفية حتى ذهل عن أصول الفقه ومذهب الشافعي ، واختار بدع الصوفية على مذاهب الأئمة .
والجواب أنه لا ينبغي الإنكار عليه بموافقة الصوفية في هذه المسألة ، فإن ذلك غرض صحيح في معاملة أرباب القلوب ، فإن الصوفي لولا رأى صلاح قلبه وحضور قلبه مع اللّه تعالى بذلك ما مزق ثوبه ، بل كان هو ينكر على من فعل ذلك . وبالجملة فلو كان جميع أموال الدنيا وأمتعتها بيد الفقير ، ورأى حضور قلبه مع اللّه تعالى لحظة [ لرضي ] بإتلافها كلها وبحرقها أو رميها في بحر لكان له ذلك بطريق الاجتهاد ، ولا لوم إلّا على من يمزق ثيابه ويتلف ماله إسرافا وسفها ولكل مقام رجال وأنشدوا :
لو ذاق عاذلي صبابتي صبا * معي لكنه ما ذاقها
فاعلم ذلك والزم الأدب مع حجة الإسلام في دولتي الظاهر والباطن . قال : ومما أنكروا عليه قوله في الإحياء المقصود بالرياضة تفريغ القلب ، وليس ذلك إلا بالخلوة والجلوس في مكان مظلم ، فإن لم يكن مظلما لف رأسه في جيبه أو تدثر بكساء أو رداء ، فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ويشاهد جلال الربوبية . قال المنكر : انظروا إلى هذه الترهات العجيبة وكيف صدرت من فقيه ، ومن أين له أن الذي يسمعه إذ ذاك هو نداء الحق تعالى ، أو أن الذي يشاهده جلال الربوبية ، وما يؤمنه أن يكون ما يجده هو من الوساوس والخيالات الفاسدة ، وهذا هو الغالب ممن يستعمل التقلل في المطعم ، فإنه يغلب عليه الماليخوليا . والجواب : أن ما قاله الغزالي تبعا لغيره صحيح ، لكن له شروط عند أهل الطريق من بلوغه في الورع الغاية القصوى ومداومة مراقبة اللّه مع الأنفاس وعدم شغل قلبه بنعيم الدنيا والآخرة ، وهناك يخرج العبد من مواطن التلبيس من النفس والشيطان وتصير روحه ملكية ، فيشاهد جلال الربوبية كما تشاهده الملائكة وكل من دخل الخلوة على مصطلح أهل اللّه عرف ما أقول ، ومن لم يدخل فهو معذور في إنكاره لعدم وجدانه ما ذكره الغزالي في نفسه ، ومما أنكروا عليه أيضا تقريره في الإحياء قول أبي سليمان الداراني إذا طلب الرجل الحديث ، أو سافر في طلب المعاش ، أو تزوّج فقد ركن إلى الدنيا . قال المنكر : هذه الثلاثة أشياء مخالفة لقواعد الشريعة ، وكيف لا يطلب الحديث وقد ورد وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر رضي اللّه عنه لأن أموت من سعي رجلي اطلب كفاف وجهي أحب إليّ من أن أموت غازيا في سبيل اللّه ، وكيف لا يطلب التزويج وصاحب الشرع صلّى اللّه عليه وسلّم يقول تناكحوا تناسلوا فما أدري هذه الأوضاع من الصوفية إلا على خلاف الشرع . والجواب : أن مثل الإمام الغزالي لا يجهل مثل هذه الأمور بدليل مدحها في مواضع أخرى من كتاب الإحياء ، وإنما مراده أن الدخول في هذه الأمور من لازمه غالبا دخول الآفات التي تحبطها ، فإن من طلب الحديث لزمته الرئاسة وصار مقدما عند الناس في التعظيم والإكرام على من لم يطلبه ، وقل من يتخلص من الميل أو المحبة لمثل ذلك . وأما