تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
سبيل الجزم ، وإنما يقول عن ، وبتقدير الجزم فلو لم يغلب على ظنه لم يقله ، وغايته إنه ليس الأمر على ما ظن ، وأما مسألة من مات ولم يعلم قدم الباري ففرق بين انتفاء اعتقاده بالقدم واعتقاده أن لا قدم ، والثاني هو الذي أجمعوا على تكفير من اعتقده ، فمن استحضر بذهنه صفة القدم ونفاها عن الباري أو حسبها منفية أو شك في انتفائها كان كافرا ، وأما الساذج من مسألة القدم الخالي الجلف المؤمن باللّه على الجملة ، فهو الذي ادعى الغزالي الإجماع على أنه مؤمن على الجملة ناج من حيث مطلق الايمان الجملي ، ومن البلية العظمى أن يقال عن مثل الغزالي أنه غير موثوق به في نقله ، فما أدري ما أقول ولا بأي وجه يلقى اللّه تعالى من يعتقد ذلك في هذا الإمام ، وأما تقسيم المازري في العلم الذي أشار حجة الإسلام أنه لا يودع في كتاب ، فوددت لو لم يذكره فإنه شبه عليه ، وهذا المازري كان رجلا فاضلا ذكيا ، وما كنت أحسبه يقع في مثل هذا ، أو خفي عليه أن للعلوم دقائق نهى العلماء عن الافصاح بها خشية على ضعفاء الخلق ، وأمور أخر لا تحيط بها العبارات ولا يعرفها إلا أهل الذوق ، وأمور أخر لم يأذن اللّه في اظهارها ، وما ذا يقول المازري فيما خرّجه البخاري في صحيحه من حديث الطفيل سمعت عليا رضي اللّه عنه يقول : حدّثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب اللّه ورسوله ، وكم مسألة نص العلماء على عدم الافصاح بها خشية على إفهام من لا يفهمها ، وربما وقع السكوت عن بعض العلم خشية من الوقوع في محذور وأمثلته تكثر . وأما كلام الطرطوشي فمن الدعاوي العارية عن الدلالة ، ولا أدري كيف استجاز في دينه أن ينسب هذا الحبر إلى أنه دخل في وساوس الشيطان ولا من أين اطلع على ذلك ، وأما قوله : شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج ، فلا أدري أي رموز في هذا الكتاب غير إشارات القوم التي لا ينكرها عارف ، وليس للحلاج رموز يعرف بها ، وأما قوله : كاد ينسلخ من الدين فيا لها كلمة وقاه اللّه شرها ، وأما دعواه أنه غير أنيس بعلوم الصوفية ، فمن الكلام البارد فإنه لا يرتاب ذو نظر بأن الغزالي كان ذا قدم راسخ في التصوّف وليت شعري إن لم يكن الغزالي يدري التصوّف فمن يدريه ، وأما دعواه إنه سقط على أم رأسه فوقعة في العلماء بغير دليل ، فإنه لم يذكر لنا بما ذا سقط كفاه اللّه وإيانا غائلة التعصب ، وأما الموضوعات في كتابه فليت شعري أهو واضعها حتى ينكرها عليه ان هذا إلا تعصب بارد وتشنيع بما لا يرتضيه ناقد ، وممن تكلم عليه أيضا وبسط لسانه فيه ابن الصلاح قال التقي السبكي في جواب كتبه للعفيف المطري المقيم بالمدينة المنوّرة ما نصه : ما ذا يقول الإنسان في الغزالي وفضله واسمه قد طبق الأرض ، ومن خبر كلامه عرف أنه فوق اسمه ، وأما ما ذكره ابن الصلاح من عند نفسه ومن كلام يوسف الدمشقي والمازري فما أشبه هؤلاء الجماعة رحمهم اللّه إلا بقوم متعبدين سليمة قلوبهم قد ركنوا إلى الهوينا رأوا فارسا عظيما من المسلمين قد رأى عدوّا عظيما لأهل الإسلام ، فحمل عليهم وانغمس في صفوفهم وما زال في غمرتهم حتى فلّ شوكتهم وكسرهم وفرق جموعهم شذر مذر ، وفلق هام كثير منهم ، فأصابه يسير من دمائهم وعاد سالما فرأوه وهو يغسل الدم عنه ، ثم دخل معهم في صلاتهم وعبادتهم فتوهموا ابقاء أثر دم عليه فأنكروا عليه . هذا حال الغزالي وحالهم ، والكل ان شاء اللّه مجتمعون