فطائفة أنكرتها وردّتها ، وطائفة أوّلتها ، وطائفة كذبت النسبة إلى أبي حامد ونزهت مقامه عنها ، والأولى هم المحققون من أهل عصره ومن بعدهم إلى هلم جرا . منهم أبو بكر بن العربي تلميذه فيما نقله أبو عبد اللّه القرطبي في شرح أسماء اللّه الحسنى ما نصه : قال شيخنا أبو حامد الغزالي قولا عظيما انتقده عليه أهل العراق وهو بشهادة اللّه موضع انتقاد قال : ليس في القدرة أبدع من هذا العالم في الإتقان والحكمة ، ولو كان في القدرة أبدع منه وادخره لكان ذلك منافيا للجود ، وأخذ ابن العربي في الرد عليه إلى أن قال : ونحن وإن كنا قطرة في بحره فإنا لا نردّ عليه إلا بقوله ، ثم قال : فسبحان من أكمل بشيخنا هذا فواضل الخلائق ، ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق ، وممن سلك هذا المسلك ناصر الدين بن المنير الإسكندري ، وصنف في ذلك رسالة سماها الضياء المتلالي في تعقب الإحياء للغزالي ، وقال : المسألة المذكورة لا تتمشى إلا على قواعد الفلاسفة والمعتزلة ، وفي مناقضة هذه الرسالة ألف السيد السمهودي رسالة عظيمة نحو سبعة كراريس ، وممن نقل عنه إنكاره الحافظ الذهبي في تاريخ الإسلام ، والإمام بدر الدين الزركشي ، وقال : هذا من الكلمات العقم التي لا ينبغي اطلاق مثلها في حق الصانع ، والكمال بن أبي شريف ، والبرهان البقاعي ، وألف رسالة في المسألة سمّاها تهديم الأركان وغيرهم .
والطائفة الثانية وهم المنتصرون لأبي حامد والمؤوّلون لكلامه على وجه صحيح في ظنهم ، فأوّل ذلك الإمام أبو حامد نفسه ، فإنه سئل في زمانه عن هذه المسألة فأجاب بما هو مسطور في الأجوبة المسكتة ، ومنهم محيي الدين بن عربي ، وعبد الكريم الجبلي ، ومحمد المغربي نقل عنهم الشعراني كما سبقت الإشارة إليه ، ومنهم الإمام جلال الدين أبو البقاء محمد البكري الشافعي ، والبدر الزركشي أيضا ، والشيخ سيدي أحمد زروق في شرح قواعد العقائد للمصنف ، والبرهان ابن أبي شريف أخو الكمال المتقدم في الطائفة الأولى ، والشيخ أبو المواهب التونسي ، وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري ، والحافظ جلال الدين السيوطي ، وألف رسالة ناقض بها على البرهان البقاعي سماها تشييد الأركان .
قلت : وقد سئل عن هذه المسألة كل من مشايخنا القطب نجم الدين أبي المكارم محمد بن سالم الحفني الشافعي نفعنا اللّه به ، والسيد القطب أبي المراحم عبد الرحمن بن مصطفى العيدروس نفعنا اللّه به ، فأجابا بتأويل كلامه على أحسن المظنات .
والطائفة الثالثة : وهم الذاهبون إلى عدم نسبة المقالة إلى أبي حامد ، وأنها مدسوسة في كتبه ومستندهم في ذلك أنهم عرضوها على كلامه في كتبه فوجدوها مع كلامه على طرفي النقيض والعاقل لا يعتقد النقيض فضلا عن أبي حامد ، وعباراته التي هي مناقضة لتلك المقالة في مواضع من كتابه الإحياء ، وفي المنقذ من الضلال ، وفي المستصفى مما تصدى لجمعها جميعا البرهان البقاعي في رسالته المذكورة هذا خلاصة ما أشار إليه سيدي أحمد بن مبارك السجلماسي ، ولم نطوّل بنصوص الأجوبة ، وما نوقضت به لما فيه من الأسهاب المخل في هذه المقدمة أمام الكتاب ، وعسى أن نلم بتفصيل كلامهم إن شاء اللّه تعالى في كتاب التوكل واللّه على ما يشاء قدير . وقال القطب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 45
مساهمون: مرتضى الزبيدي
ص٤٥