تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 426

مساهمون:

ص٤٢٦
على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوّتهم وتفاوت تقدير اللّه تعالى في حقهم ، وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب ، ويعين على التنبه له التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة ، كما سيأتي علامتهم هذا في أوّل الأمر ويعين عليه في الآخرة المجاهدة والرياضة وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء ، ليتضح منه لكل ساع إلى طلبه بقدر الرزق لا بقدر الجهد ، ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد ، فالمجاهدة مفتاح الهداية ، لا مفتاح لها سواها .
شرح
( على اختلاف درجاتهم ) عند اللّه تعالى ( بحسب اختلاف قربهم ) منه سبحانه ( وتفاوت تقدير اللّه تعالى في حقهم ، وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب ) وهو المشار إليه في الحديث المتقدم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء باللّه » الحديث . وهذا من جملة المواضع التي أنكر عليه أبو عبد اللّه المازري وغيره من المالكية وتقدم الجواب عنه في مقدمة الكتاب ( ويعين على التنبه له ) والتفطن لأسراره ( التعلم ) من أهله بشروطه ( ومشاهدة أحوال علماء الآخرة ) . قال صاحب القوت : وكان ذو النون يقول اجلس إلى من تعلمك أفعاله ولا تجلس إلى من يخاطبك مقاله ، وقد كان طائفة يصحبون كثيرا من أهل المعرفة للتأدب والنظر إلى هديهم وأخلاقهم ، وإن لم يكونوا علماء لأن التأدب يكون بالأفعال ، والتعلم يكون بالمقال . ( هذا في أول الأمر ) وابتدائه حين شروعه في السلوك ( ويعين عليه في الآخر ) أي آخر الأمر ( المجاهدة ) في النفس ( والرياضة ) الشرعية بمنعها عن كل ما تميل إليه من المباحات ( وتصفية القلب ) عن الأوصاف الذميمة ( وتفريغه ) أي تخليته ( عن علائق الدنيا ) وشواغلها الصارفة عن الحضور مع اللّه تعالى ( والتشبه فيه ) . وفي نسخة : فيها ( بأنبياء اللّه تعالى وأوليائه ) والصالحين من أخصائه ( ليتضح منه لكل ساع إلى طلبه ) أي مطلوبه ( بقدر الرزق ) أي بقدر ما رزقه اللّه تعالى ويسرّ له في نصيبه من الأزل ( لا بقدر الجهد ) والاستطاعة ، ( ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد ) وبذل الوسع ( فالمجاهدة مفتاح الهداية ) قال اللّه تعالى :( وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا )[ العنكبوت : 69 ] ( لا مفتاح لها ) أي لأبواب الهداية الربانية ( سواها ) أي سوى المجاهدة ، ولنذكر هنا ما يتعلق بالمجاهدة والجهاد ونبين مراتب ذلك ليكون السالك على بصيرة . قال ابن القيم في الهدي النبوي : الجهاد أربع مراتب : جهاد النفس ، وجهاد الشيطان ، وجهاد الكفار ، وجهاد المنافقين . فجهاد النفس ؛ أربع مراتب أيضا ، إحداها : أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق الذي لا فلاح له ولا سعادة في معاشها ومعادها إلا به ومتى فاتها علمه شقيت في الدارين . الثانية : أن يجاهدها على العمل به بعد علمه ، وإلا فمجرد العلم بلا عمل إن لم يضرها لم ينفعها . الثالثة : أن يجاهدها على الدعوة إليه وتعليمه لمن لا يعلمه ، وإلا كان من الذين يكتمون ما أنزل اللّه من الهدى والبينات ولا ينفعه علمه ولا ينجيه من عذاب اللّه . الرابعة : أن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 426 | مرتضى الزبيدي