تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم باللّه تعالى وبصفاته وأفعاله ، وسنّته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا ، فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى سعادة الآخرة ، وبذل المقدور فيه إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب ، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم ، وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم
شرح
( وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء ، فهو العلم باللّه سبحانه وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وترتيب الآخرة على الدنيا ) ، وهو علم اليقين والمعرفة والتبصر في فقه القلوب ، وكان سهل يقول : العلم ثلاثة . علم باللّه ، وعلم للّه ، وعلم بحكم اللّه . أشار بالأول إلى علم اليقين ، وبالثاني إلى علم الإخلاص والأحوال والمعاملات ، وبالثالث إلى تفصيل الحلال والحرام ، ( فإن هذا علم مطلوب لذاته ) لشرف موضوعه وأشار إلى سرّ غايته بقوله . ( وللتوصل إلى سعادة الآخرة ) الباقية ( وبذل المقدور ) أي صرفه ( فيه ) أي في تحصيله ( إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب ، فإنه البحر ) الزاخر ( الذي لا يدرك ) آخره ولا يسبر ( غوره وإنما يحوم ) أي يدور ويطوف ( المحومون ) . وفي نسخة : الحائمون . يقال : حام على الماء إذا ورده ، وكذلك حوّم ( على سواحله وأطرافه بقدر ما يسر لهم ، وما خاض أطرافه ) المنتهية ( إلا الأنبياء ) صلوات اللّه عليهم وسلامه ( والأولياء ) في عباده الصالحين ( والراسخون في العلم ) . قال أبو يزيد البسطامي خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله . قال أبو العباس المرسي : إنما يشكو بهذا الكلام ضعفه وعجزه عن اللحاق بالأنبياء ، ومراده أن الأنبياء خاضوا بحر التوحيد ووقفوا من الجانب الآخر على ساحل الفرق يدعون الخلق إلى الخوض . أي : فلو كنت كاملا لوقفت حيث وقفوا . قال ابن عطاء اللّه : وهذا الذي فسّر به الشيخ كلام أبي يزيد هو اللائق بمقام أبي يزيد ، فإن المشهور عنه التعظيم لمراسم الشريعة والقيام بكمال الأدب ، ثم إن هذه العبارة التي ذكرها المصنف من ذكر الأولياء بعد الأنبياء وتقديمهم على العلماء الراسخين سيأتي نظيرها في ذكر معرفة اللّه والعلم به أن الرتبة العليا في ذلك للأنبياء ، ثم للأولياء العارفين ، ثم للعلماء الراسخين ، ثم للصالحين ، فقدم الأولياء على العلماء وفضلهم عليهم ، وقد سئل عن ذلك العز بن عبد السلام هل هو صحيح أم لا ؟ فأجاب : لا يشك عاقل أن العارفين بما يجب للّه من أوصاف الجلال ونعوت الكمال أفضل من العارفين بالأحكام ، فإن العارفين باللّه أفضل من أهل الفروع والأصول ، وكيف يسوي بين العارفين والفقهاء والعارفون أفضل الخلق وأتقاهم للّه سبحانه ، وأما قوله تعالى :( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ )[ فاطر : 28 ] ، فإنما أراد العارفين به وبصفاته وأفعاله دون العارفين بأحكامه ، ولا يجوز حمل ذلك على علماء الأحكام ، لأن الغالب عليهم عدم الخشية وخبر اللّه تعالى صدق ، ولا يحمل إلا على من عرفه وخشيه هذا حاصل ما قاله في الجواب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 425 | مرتضى الزبيدي