يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال ، ومنها ما يذم قليله وكثيره كالقبح وسوء الخلق ، ومنها ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال ، فإن التبذير لا يحمد فيه وهو بذل ، وكالشجاعة فإن التهوّر لا يحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة ، فكذلك العلم .
فالقسم المذموم منه قليله وكثيره هو ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا إذ فيه ضرر يغلب نفعه كعلم السحر والطلسمات والنجوم ، فبعضه لا فائدة فيه أصلا ، وصرف العمر الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان إليه إضاعة ، وإضاعة النفيس مذمومة . ومنه ما فيه ضرر يزيد على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر في الدنيا ، فإن ذلك لا يعتد به بالإضافة إلى الضرر الحاصل عنه .
شرح
الفاضل ) أي الزائد ( عليه ) ولا يحمد ( الاستقصاء فيه ) أي بذل الجهد لتحصيله على أقصى مراتب الكمال ، ( وهو ) هذه الأقسام الثلاثة مثلها ( مثل أحوال البدن ) من الإنسان ( فإن منه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال ) . قال صاحب المصباح : الصحة في البدن حالة طبيعية تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي اه . والجمال رقة الحسن ذكره سيبويه . وقال الراغب : هو الحسن الكثير ، ( و ) منه ( ما يذم قليله وكثيره كالقبح ) أي قبح الصورة ( وسوء الخلق ) فإنهما مذمومان كذلك ، فالقبح ذمه نظرا إلى الظاهر وسوء الخلق نظرا إلى الباطن كما أن الجمال محمود مطلقا نظرا إلى الظاهر وهو يقتضي غالبا حسن الخلق وصحة البدن نظرا إلى الباطن ، ( ومنه ما يحمد الاقتصاد ) أي التوسط . ( فيه كبذل المال ) أي صرفه ، ( فإن التبذير ) وهو بذله في غير موضعه ( لا يحمد فيه ) أي في المال ( وهو بذل ) في الجملة ، ( وكالشجاعة ) وهي هيئة حاصلة للقوة الغضبية بها يقدم على أمور ينبغي أن يقدم عليها ، ( فإن التهور ) وهو الوقوع في أمر بقلة مبالاة وفكر ( لا يحمد ) لكونه على غير بصيرة فيه ( وإن كان من جنس الشجاعة ) ، وقال بعض : الشجاعة ما بين التهور والجبن ، ( فكذلك العلم ) فإن القدر المذموم منه ولو كان من جنسه إلا أنه لا يحمد .
( فالقسم المذموم قليله وكثيره ما لا فائدة فيه ) ولا عاقبة حميدة ( في دين ولا دنيا إذ فيه ضرر ) إما بصاحبه أو بغيره ( يغلب نفعه كعلم الطلسمات والسحر والنجوم ) والكيمياء والسيمياء والشعبذة وما أشبهها ، ( فبعضه لا فائدة فيه أصلا وصرف العمر الذي هو أنفس ما يملكه الإنسان إليه ) أي إلى تحصيل مثله ( إضاعة ) له وقالوا : الوقت سيف إن لم تقطعه في الخير قطعك ، ( وإضاعة النفائس مذمومة ) عند أهل الحق ، ( ومنه ما فيه ضرر يزيد ) ويظهر ( على ما يظن أنه يحصل به من قضاء وطر ) أي حاجة أو نفع ( في الدنيا فإن ذلك لا يعتد به ) ولا يعتبر ( بالإضافة ) أي بالنسبة ( إلى الضرر الحاصل منه ) . قال ابن ساعد :
ومن الوجوه الموهمة كون العلم ضارا أن يظن بالعلم فوق غايته ، أو فوق مرتبته ، أو أن يقصد بالعلم غير غايته وأن يتعاطاه من ليس من اكفائه .