تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
وتتشبه بالخلف ، فكل ما ارتضاه السلف من العلوم قد اندرس ، وما أكب الناس عليه فأكثره مبتدع ومحدث ، وقد صح قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء » . فقيل ومن الغرباء ؟ قال : « الذين يصلحون ما أفسده الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من سنتي » . وفي خبر آخر : « هم المتمسكون بما أنتم
شرح
به الاختلاط ( وإليك الخيرة ) أي الاختيار ( في أن تنظر لنفسك ) ، وفي بعض النسخ بعد قوله : مثار الالتباس والشك والحيرة ، فانظر الآن أترى خيرا لنفسك ( فتقتدي بالسلف ) الصالحين ( أو تتدلى ) أي تنزل إلى أسفل متمسكا ( بحبل الغرور ) أي الاغترار بما يوهمك إعجابا ( وتتشبه بالخلف ) المتأخرين ( فكل ما ارتضاه السلف من العلوم ) الجليلة ( قد اندرس ) أثرها وعفا ، ( وما أكب الناس عليه ) مشتغلين بتحصيله ( فأكثره ) في الحقيقة ( مبتدع محدث ) لم يكن يعرف فيما سلف . قال صاحب القوت : اعلم أن العلوم تسعة ، أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين ، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف ، فأما الأربعة المعروفة ، فعلم الايمان ، وعلم القرآن ، وعلم السنن ، والآثار وعلم الفتاوى والأحكام . وأما الخمسة المحدثة ؛ فالنحو والعروض وعلم المقاييس والجدل في الفقه وعلم المعقول بالنظر وعلم علل الحديث وتطريق الطرقات إليه وتعليل الضعفاء وتضعيف النقلة للآثار ، فهذا العلم من المحدث إلا أنه علم لأهله يسمعه أصحابه منهم اه . ( وقد صح قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء » ) هكذا رواه مسلم وابن ماجة من رواية يزيد بن كيسان عن حازم عن أبي هريرة ، ورواه مسلم من رواية عاصم بن محمد العمري ، عن أبيه ، عن ابن عمر بلفظ : « إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى حجرها » ، وقال فيه البزار : فطوبى للغرباء . وروى الطبراني من رواية عيسى بن ميمون ، عن عون بن شداد ، عن أبي عثمان ، عن سليمان مختصرا هكذا في قوله : كما بدأ . وروي في الأوسط من رواية عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري مثله إلى قوله : فطوبى للغرباء . وروى ابن ماجة من رواية سنان بن سعد عن أنس هكذا مختصرا . وقال السخاوي في المقاصد ؛ وأخرج البيهقي في الشعب من حدث شريح بن عبيد مرسلا وفيه زيادة وهي : « الا إنه لا غربة على مؤمن من مات في أرض غربة غابت عنه بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض » . ( فقيل : ومن الغرباء ؟ قال : « الذين يصلحون ما أفسد الناس من سنتي والذين يحيون ما أماتوه من سنتي » ) رويت هذه الزيادة من طرق . فأخرج الترمذي من رواية كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده رفعه ، فذكر الحديث وفيه : « إن الدين بدأ غريبا ويرجع غريبا فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس بعدي من سنتي » وقال : هذا حديث حسن .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 421 | مرتضى الزبيدي