إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 418
القرآن بالكلية ، فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق عن العلوم المحمودة إلى المذمومة فكل ذلك من تلبيس علماء السوء بتبديل الأسامي ، فإن اتبعت هؤلاء اعتمادا على الاسم المشهور من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأول كنت كمن طلب الشرف بالحكمة باتباع من يسمى حكيما ، فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر ، وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ . ( اللفظ الخامس ) : وهو الحكمة ، فإن اسم الحكم صار يطلق على الطبيب والشاعر من القرآن بالكلية ) ، وإذا تأملت ما ذكرنا ( فقد عرفت كيف صرف الشيطان دواعي الخلق ) جمع داعية وهو ما يدعو الإنسان إلى الشيء ( عن العلوم المحمودة إلى ) العلوم ( المذمومة ، وكل ذلك بتلبيس علماء السوء ) وتخليطهم الحق بالباطل ( بتبديل الأسامي ) وتفسيرها ، ( فإن تبعت هؤلاء ) وسلكت سننهم ( اعتمادا على الاسم المشهور ) عندهم ( من غير التفات إلى ما عرف في العصر الأوّل ) ونهجه أهل الطريق الاعدل ( كنت كمن طلب الشرف بالحكمة ) الإلهية ( باتباع من يسمى حكيما فإن اسم الحكيم صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجم في هذا العصر ، وذلك بالغفلة عن تبديل الألفاظ . [ اللفظ الخامس الحكمة ] اللفظ الخامس ، وهو الحكمة ) إعلم أن لها تعريفا عند أهل الشرع من الفقهاء ، وتعريفا عند أهل الحقيقة ، وتعريفا عند الحكماء . فتعريفها عند الفقهاء قالوا : جاءت بإزاء معان كثيرة ، فمنها النبوّة قال تعالى : ( وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ ) [ البقرة : 251 ] ، قيل النبوة على المشهور . ومنها السنّة كما في قوله تعالى : ( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ ) [ البقرة : 151 ] على أحد الأقوال . وقيل المراد علوم القرآن ، وعلى هذا هو نظير قوله تعالى : ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ ) [ البقرة : 269 ] على أحد الأقوال ومنها الموعظة كما في قوله تعالى : ( حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ) [ القمر : 5 ] ومنها الفهم المصيب كما في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) [ لقمان : 12 ] وهي تنقسم إلى قولية وفعلية ، ولما أراد اللّه سبحانه أن يعرفنا كمال حكمته القولية ابتدأ سورة لقمان بقوله : ( ألم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) ناصا بذلك على الحكمة القولية وأدرج في أثنائها ما يدل بالتصريح والتلويح على كمال الحكمة الفعلية ، وبسط سبحانه عقب كل من الأمرين ما هو كالدليل على المذكور وكالشرح والبيان لمجمله فقال سبحانه عقب الجملة الأولى الدالة على الحكمة القولية ( هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ لقمان : 3 - 5 ] ، وهذا تقرير الاستدلال على كمال حكمته سبحانه في وصفي الحكمة القولية والفعلية . والحكيم من وضع الأشياء مواضعها . وأما تعريفها عند أهل الحقيقة ؛ فإنها تطلق عندهم على حقائق حكم سنية . الأولى : الحكمة المطلقة وهي العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه من حيث هي هي . الثانية : الحكمة المنطوق بها