تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
أن يكذب اللّه ورسوله » . وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع ، فكيف فيما لا يفهمه قائله ، فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره . وقال عيسى عليه السلام : لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، كونوا كالطبيب الرفيق يضع الدواء في موضع الداء . وفي لفظ آخر : من وضع الحكمة في غير أهلها فقد جهل ، ومن منعها أهلها فقد ظلم ، إن للحكمة حقا وإن لها أهلا فاعط كل ذي حق حقه .
شرح
موقوفا : « أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم » أي قدر ما تحتمله عقولهم وهو شاهد جيد ، ويأتي الكلام عليه هنالك اه . وقد ورد ما يقاربه من حديث المقدام مرفوعا رواه البيهقي في المدخل بلفظ : « إذا حدثتم الناس عن ربهم فلا تحدثوهم بما يغرب عنهم ويشق عليهم » . وعند ابن عدي في الكامل بما يفزعهم . ( وهذا فيما يفهمه صاحبه ) ولا يقدر أن يعبره بلسانه لقصوره في التعبير ( ولا يبلغه عقل المستمع ، فكيف فيما لا يفهمه قائله ، فإن كان يفهمه القائل دون السامع فلا يحل ذكره . وقال عيسى عليه السلام : لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم ، كونوا كالطبيب الرفيق ) الذي ( يضع الدواء في موضع الداء ) هكذا أخرجه صاحب القوت قال ؛ ( وفي لفظ آخر : من وضع الحكمة في غير أهلها جهل ، ومن منعها أهلها ظلم . إن للحكمة حقا وإن لها أهلا فاعط لكل ذي حق حقه ) وفي الحلية من طريق سفيان بن عيينة قال عيسى عليه السلام : إن للحكمة أهلا فإن وضعتها في غير أهلها ضيعت ، وإن منعتها من أهلها ضيعت . كن كالطبيب يضع الدواء حيث ينبغي اه . وفي معنى ذلك روي عن سفيان الثوري أنه سئل عن العالم من هو ؟ قال : من يضع العلم موضعه ويؤتي كل شيء روي حقه . قال صاحب القوت ، وقال بعض العارفين : من كلم الناس مبلغ علمه وبمقدار عقله ولم يخاطبهم بقدر حدودهم فقد بخسهم حقهم ولم يقم بحق اللّه تعالى فيهم ، وحدثني بعض أشياخنا من هذه الطائفة عن أبي عمران وهو المزين الكبير المكي قال سمعته يقول لأبي بكر الكتاني وكان سمحا بهذا العلم بذولا له لجميع الفقراء فجعل أبو عمران يعاتبه وينهاه عن بذله وكثرة كلامه فيه إلى أن قال : أنا منذ عشرين سنة أسأل اللّه عز وجل أن ينسيني هذا العلم . قال : ولم ؟ . قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فسمعته يقول : « إن لكل شيء عند اللّه حرمة ومن أعظم الأشياء حرمة الحكمة فمن وضعها في غير أهلها طالبه اللّه تعالى بحقها ومن طالبه خاصمه » . وأورد أبو نعيم في الحلية في ترجمة محمد بن كعب القرطبي بسنده إليه قال : حدثنا ابن عباس أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن عيسى بن مريم قام في بني إسرائيل فقال يا بني إسرائيل لا تكلموا بالحكمة عند الجهال فتظلموها ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم » .