ولا فائدة لهذا الجنس من الكلام إلا أنه يشوّش القلوب ويدهش العقول ويحير الأذهان ، أو يحمل على أن يفهم منها معاني ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد على مقتضى هواه وطبعه . وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفقهونه إلا كان فتنة عليهم » . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون . أتريدون
شرح
وسيأتي للمصنف في الفناء . قال : إن العلماء به قصرت عباراتهم عن إيضاحه وبيانه بعبارة مفهمة موصلة للغرض إلى الأفهام ، وكما قال ابن عباد في مراتب الشهود : إن التفرقة بين حقائقها على ما هي تعسر العبارة عنه ، وانه زلت بسبب ذلك أقدام كثير من الناس . وقال صاحب التعرف :
مشاهدات القلوب ومشاهدات الأسرار لا يمكن العبارة عنها على التحقيق بل تعلم بالمنازلات والمواجيد ولا يعرفها إلا من نازل تلك الأحوال اه .
( و ) لكن ( لا فائدة لهذا الجنس من الكلام ) لما يترتب عليه من الزيغ لكثيرين ، وهذا في حد ذاته لا بأس به في الجملة ( إلا أنه يشوش القلب ويدهش العقول ويحير الأذهان ويحمل ) الإنسان ( على أن يفهم منها معاني ) بتأويلات ( ما أريدت بها ويكون فهم كل واحد ) منها ( على مقتضى هواه وطبعه ) وهذا كذلك يتسبب لضرر عظيم ، كيف لا ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلا كان فتنة عليهم » ) قال العراقي :
أخرجه العقيلي في الضعفاء ، وابن السنى وأبو نعيم في رياضة المتعلمين من حديث ابن عباس باسناد ضعيف ، ولمسلم في مقدمة صحيحه موقوفا على ابن مسعود نحوه . وقال في التخريج الكبير رواه أبو نعيم في رياضة المتعلمين من رواية عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، عن عثمان بن داود ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رفعه بلفظ : « ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان على بعضهم فتنة » وقد اختلف فيه عن ابن ثوبان ، فقال ابن السنى في رياضة المتعلمين ، والعقيلي في تاريخ الضعفاء من طريق ابن ثوبان قال : حدثني عثمان بن داود ، عن الضحاك بن مزاحم ، عن ابن عباس قال : قالوا يا رسول اللّه ما نسمع منك نحدث به كله . قال : « نعم إلّا أن تحدث قوما لا تضبطه عقولهم فتكون على بعضهم فتنة » . قال : ورواه ابن السنى أيضا في الكتاب المذكور من رواية عباد بن كثير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رفعته : « من حديث بحديث لا يعلم تفسيره لا هو ولا الذي حدثه فإنما هو فتنة عليه وعلى الذي حدثه » ثم قال : وإنما يصح هذا الحديث موقوفا على ابن مسعود كما رواه مسلم في مقدمة صحيحه من رواية عبيد اللّه بن عبد اللّه ابن عتبة بن مسعود أن عبد اللّه بن مسعود قال : فساقه كسباق حديث ابن عباس بعينه .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتريدون أن يكذب اللّه ورسوله ) قال العراقي : أخرجه البخاري موقوفا على علي وهو الصواب بلفظ : « حدثوا الناس والباقي سواء » وهكذا رواه البيهقي في المدخل بتقديم أتريدون على حدثوا ، ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم ، وسيأتي في آخر الباب الخامس من حديث ابن عمر