( الصنف الثاني ) : من الشطح كلمات غير مفهومة لها ظواهر رائقة ، وفيها عبارات هائلة ، وليس وراءها طائل ، وذلك إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل مصدرها عن خلط في عقله وتشويش في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه وهذا هو الأكثر ، وإما أن تكون مفهومة له ولكنه لا يقدر على تفهيمها وايرادها بعبارة تدل على ضميره لقلة ممارسته للعلم وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني بالألفاظ الرشيقة ،
شرح
لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلى الجنة » فهذا إنما قاله صلّى اللّه عليه وسلّم حكاية عن ربّه وان لم يصرح به . وقال تعالى( وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ )[ الصافات :
164 ] فهذا على لسان الملائكة . وقال :( وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ )[ مريم : 64 ] فهذا على لسان جبريل . وهذا نوع لطيف حررت الكلام فيه في الاتقان ، وأما حسن الظن وعدم الوقيعة فذاك هو الذي دلت عليه الآيات والأحاديث والآثار ونصوص العلماء ، ولان يخطئ الانسان في عدم السّب خير من أن يخطئ في السب . وفي الحديث « لأن يخطئ الانسان في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة » والمقصد الشرعي من التحذير حاصل بالتنفير من ذلك الكلام من غير وقيعة فيمن نسب إليه ، وقد قال بعض الأئمة : لو عاش الانسان عمره كله لم يلعن إبليس فلا يسأله اللّه عن ذلك .
وقال السبكي في فتاويه : اعلم أنّا نستصعب القول بالتكفير لأنه يحتاج إلى تحرير المعتقد وهو صعب من جهة الاطلاع على ما في القلب وتخليصه عما يشبهه وتحريره ، ويكاد الشخص يصعب عليه تحرير اعتقاد نفسه فضلا عن غيره واعتراف الشخص به هيهات أن يحصل ، وأما البينة في ذلك فصعب قبولها لأنها تحتاج إلى ما قدمناه اه .
( الصنف الثاني : من الشطح ) تلفيق ( كلمات غير مفهومة ) معانيها ( لها ظواهر رائقة ) معجبة ، ( وفيها عبارات هائلة ) عظيمة تهول سامعها ( وليس وراءها طائل ) فائدة يستفاد منها ، ( وذلك ) لا يخلو من حالين . ( إما أن تكون غير مفهومة عند قائلها بل مصدرها ) أي منشؤها ( عن خلط في عقله ) وجهل في مقامه ( وتشويش ) أي تخليط ( في خياله لقلة إحاطته بمعنى كلام قرع سمعه ) وهذا هو الجهل بنفسه وحديثها والجهل بربه كما تقدم في كلام السهروردي ( وهذا هو الأكثر ) من أحوالهم وإن علم من نفسه جهله بتلك الكلمات ، وإنما حمله على ذلك هواه ليوهم أنه ظفر بشيء فالمصيبة أعظم ، ( وإما أن تكون ) تلك الكلمات ( مفهومة له ) متحققا بمعانيها ( ولكنه لا يقدر على تفهيمها ) لغيره ( ولا ) على ( إيرادها ) والقائها ( بعبارة ) سهلة ( تدل على ضميره ) وفحواه ، وذلك ( لقلة ممارسته العلم ) ومعاناته فيه ( وعدم تعلمه طريق التعبير عن المعاني ) الدقيقة ( بالألفاظ ) الرائقة ( الرشيقة ) ، فإن العبارة عن المعاني المدركة بالوجدان على ما هي عليه عسيرة جدا . ألا ترى أن الشخص لو أراد أن يصف لذة الجماع لمن لم يباشره بعبارة توصل ذلك إلى فهمه على حقيقته لم يستطع ذلك أبدا ،