فلعله كان يحكيه عن اللّه عز وجل في كلام يردده في نفسه ، كما لو سمع وهو يقول :
إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني ، فإنه ما كان ينبغي أن يفهم منه ذلك إلا على سبيل الحكاية .
شرح
يردده في نفسه كما لو سمع وهو يقول : إنني أنا اللّه لا إله إلا أنا فاعبدني فإنه كان ينبغي أن لا يفهم ذلك منه إلا على سبيل الحكاية ) قال السهروردي في عوارف المعارف في ذكر من إنتمى إلى الصوفية وليس منهم ما نصه : ومن جملة أولئك قوم يقولون بالحلول والاتحاد ويزعمون أن اللّه تعالى في الأجسام ويسبق إلى مفهومهم قول النصارى في اللاهوت والناسوت ، ومنهم من يستبيح النظر إلى المستحسنات إشارة إلى هذا الوهم ويتخايل له : إن من قال كلمات في بعض غلباته كان مضمرا لشيء مما زعموه مثل قول الحلاج : أنا الحق ، وما يحكى عن أبي يزيد من قوله سبحاني ، وحاشى اللّه أن يعتقد في أبي يزيد إنه يقول ذلك إلا على معنى الحكاية عن اللّه تعالى ، وهكذا ينبغي أن يعتقد في الحلاج قول ذلك ، ولو علمنا أنه ذكر هذا القول مضمرا لشيء من الحلول رددناه كما نردهم ، وقد أتانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بشريعة بيضاء نقية يستقيم بها كل معوج وقد دلتنا عقولنا على ما يجوز وصف اللّه تعالى به وما لا يجوز ، واللّه تعالى منزه أن يحل به شيء أو يحل بشيء حتى لعل بعض المفتونين يكون عنده ذكاء وفطنة غريزية ويكون قد سمع كلمات تعلقت بباطنه فيتألف له في فكره كلمات ينسبها إلى اللّه تعالى وأنها مكالمة اللّه تعالى إياه مثل أن يقول قال لي وقلت له ، وهذا إما رجل جاهل بنفسه وحديثها جاهل بربه وبكيفية المكالمة والمحادثة ، وإما عالم ببطلان ما يقول يحمله هواه على الدعوى بذلك ليوهم أنه ظفر بشيء وكل هذا ضلال ، ويكون سبب تحريه على هذا ما سمع من كلام بعض المحققين من مخاطبات وردت عليهم بعد طول معاملات لهم ظاهرة وباطنة وتمسكهم بأصول القوم من صدق التقوى وكمال الزهد في الدنيا ، فلما صفت أسرارهم تشكلت في سرائرهم مخاطبات موافقة للكتاب والسنّة نزلت بهم تلك المخاطبات عند استغراق السرائر ولا يكون ذلك كلاما يسمعونه ، بل كحديث في النفس يجدونه ويرونه موافقا للكتاب والسّنة مفهوما عند أهله موافقا للعلم ، ويكون ذلك مناجاة لسرائرهم إياه ، فيثبتون لنفوسهم مقام العبودية ولمولاهم الربوبية ، فيضيفون ما يجدونه إلى نفوسهم وإلى مولاهم ، وهم مع ذلك عالمون بأن ذلك ليس كلام اللّه تعالى ، وإنما هو علم حادث أحدثه اللّه تعالى في بواطنهم ، فطريق الأصحاء في ذلك الفرار إلى اللّه تعالى من كل ما تحدث نفوسهم به ، حتى إذا برئت ساحتهم من الهوى وألهموا في بواطنهم شيئا ينسبونه إلى اللّه تعالى نسبة الحادثات إلى المحدث لا نسبة الكلام إلى المتكلم ليصانوا عن الزيغ والتحريف اه .
وقال السيوطي في تأييد الحقيقة العلية : وأما التأويل فبأمور ، ثم قال : الثالث أن يكون ما وقع في ألفاظهم مضافا إلى أنفسهم ، وهو مما يضاف إلى اللّه تعالى لم يقصدوا به حكاية عن أنفسهم ، وإنما أوردوه مورد الحكاية عن اللّه ، فان الكلام ينقسم إلى ما يحكيه المتكلم عن نفسه وإلى ما يحكيه عن غيره ، وإن لم يصرح بالإضافة إليه كحديث البخاري عن أبي هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ما