تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
يَنْبَغِي لَهُ )
[ يس : 69 ] وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال ، وألم الفراق ، والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام ، وبواطنهم مشحونة بالشهوات ، وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة ؛ فلا تحرك الأشعار من قلوبهم إلا ما هو مستكن فيها فتشتغل فيها نيران الشهوات ، فيزعقون ويتواجدون ؛ وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد ، فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على سبيل استشهاد واستئناس ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من الشعر لحكمة » ولو حوى المجلس الخواص الذين وقع الاطلاع على استغراق قلوبهم
شرح
جماهير الصحابة وعدد بالغ من أحبار الأمة ، وأما ما ورد من الأحاديث في ذم الشعر ، فالمراد منه الشعر الذي هو هجو له صلّى اللّه عليه وسلّم حملا لمطلق الحديث على مقيده على أنه قد ثبت في بعض طرق حديث أبي هريرة رفعه « لأن يملأ جوف أحدكم قيحا ودما خير له من أن يمتلئ شعرا هجيت به » رواه ابن عدي في الكامل اه . ( وأكثر ما اعتاده الوعاظ من ) إنشاد ( الأشعار ) في مواعظهم ( ما يتعلق بالتواصف في العشق ) وهو الإفراط في المحبة ( وجمال المعشوق ) وهو المحبوب ( وروح الوصال ) والتشوق إليه ، ( و ) التشكي من ( ألم الفراق ) وما يترتب عليه ( والمجلس ) ذاك ( لا يحوي ) أي لا يجمع غالبا ( إلا أجلاف العوام ) والأغبياء الطغام ( وبواطنهم ) غير متهيئة لتلقي أسرار الحقائق بل ( مشحونة بالشهوات ) النفسانية ( وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات ) والميل ( إلى الصور المليحة ) المستحسنة ، ( ولا تحرك ) تلك ( الأشعار من قلوبهم ) وخواطرهم ( إلا ما هي مستكنة ) أي مستترة ( فيها ) من الخبث ( فتشتعل فيها نيران الشهوات ) لا محالة بتسويل الشيطان ، ( فيزعقون ) أي يصيحون من غير اختيار ، ومنهم من يتمكن منه ذلك الخاطر فيغيب عن إحساسه ( ويتواجدون ) أي : يتراقصون ويكونون سببا لضحكة الشيطان ، ( وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد ) في الدين تترتب به جمل من المضرات ( فينبغي ) للواعظ ( أن لا يستعمل ) في وعظه للعامة ( من ) إنشاد ( الشعر إلا ما فيه موعظة ) ظاهرة يرتدع بها عن خبث الباطن ( أو حكمة ) نادرة يتعظ بها في كشف السر الكامن ( كل ذلك على سبيل استشهاد ) لكلامه ( واستئناس ) لما يورد من أحكامه ، ( وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من الشعر لحكمة » ) قال العراقي : رواه البخاري من حديث أبيّ بن كعب اه . قلت : وكذا الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة كلهم من رواية عبد الرحمن بن الأسود أن أبيّ بن كعب أخبره بلفظ : « إن من الشعر حكمة » ، وأخرجه أبو القاسم الحسين بن محمد بن إبراهيم الحنائي في جزء له من طريق هشام بن عروة ، عن جده ، عن أبيه الزبير رفعه ، وذكره الدارقطني في العلل فقال : يرويه شيخ يعرف بعبد الملك بن محمد البلخي ، عن أبي بزة ، عن هشام