وأما الأشعار ؛ فتكثيرها في الموعظ مذموم ، قال اللّه تعالى :
( وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ * أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ )
[ الشعراء : 24 - 25 ] . وقال تعالى :
( وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما
شرح
بطنها ، فقضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فيها بالدية وفي جنينها بالغرة عبدا وأمة فقال أخوها العلاء بن مسروح يا رسول اللّه : أنغرم من لا أكل ولا شرب ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « اسجع كسجع الجاهلية » . ورواه ابن منده في معرفة الصحابة ، ومحمد بن سليمان بن مسمول ضعيف ، وعمرو بن تميم وأبوه لم أجد لهما ذكرا في مظان وجودهما .
( وأما الاشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم ) قال السمين : الشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري ، وسمي الشاعر لفطنته ثم صار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر المختص بصناعته ، وقوله تعالى حكاية عن الكفار :( بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ )[ الأنبياء : 50 ] حمله كثير من المفسرين على إنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم ومقفى حتى تأوّلوا ما جاء في القرآن من كل لفظ شبيه الموزون . وقال بعض المحصلين : لم يقصدوا هذا القصد فيما رموه به . وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس من أساليب الشعر ولا يخفى ذلك عليهم ، وإنما رموه بالكذب فإن الشعر يعبّر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سموا الأدلة الكاذبة الشعرية . ( قال اللّه تعالى ) في وصف عامة الشعراء : ( والشعراء يتبعهم الغاوون الآية ) أي إلى آخرها وهو :( أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ )[ الشعراء :
24 - 26 ] ولأن الشعر مقر الكذب . قالوا أحسن الشعر أكذبه . وقال بعض الحكماء : لم ير متدين صادق اللهجة مفلقا في شعره ، ولذا لما أسلم منهم جماعة وكانوا مفلقين ضعف شعرهم كحسان ولبيد ، وقد فطن حسان من نفسه ذلك اه .
والغاوون جمع غاو وهو الضال المنهمك في ضلاله لا يرده شيء وقد يعبر بالغي عن الجهل ، لأنه سببه . وقيل : الغواية شدة الجهل .
( وقال تعالى :وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ )قال الراغب : انبغى مطاوع بغى ، فإذا قيل : ينبغي أن يكون كذا فهو باعتبارين . أحدهما يكون مسخرا للفعل نحو النار ينبغي أن تحرق الثوب ، والثاني : بمعنى الاستئهال نحو فلان ينبغي أن يعطى الكرامة وعلى المعنيين جاء قوله تعالى المتقدم ذكره . أي : لا يتسخر له ولا يستأهل قال : ألا ترى لسانه لم يكن يجري به . قال السمين :
ولذلك كان إذا تمثل بشيء من الشعر أتى به على غير نظمه ، وقد نقل أنه تكلم بشيء من الشعر على سبيل الاتفاق ، واختلفوا في أنه هل كان مصروفا عن ذلك بطبعه أو كان في قدرته ، ولكنه لم يقله أقوال واختلفوا في ذم الشعر ومدحه ، وأحسن ما قيل فيه قول الإمام الشافعي رحمه اللّه حين سئل عن ذلك الشعر : كلام حسنه حسن وقبيحة قبيح .
وقد روى مثل ذلك أيضا عن عائشة رضي اللّه عنها . قال ابن السبكي في الطبقات : وقد سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الشعر وأجاز عليه ، وذلك برهان على أنه لم يكن يمنع من ذلك ، وكذلك نطق به