نزعات الشيطان ، فإن في الصدق مندوحة عن الكذب ، وفيما ذكر اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم غنية عن الاختراع في الوعظ ، كيف وقد كره تكلف السجع وعدّ ذلك من التصنع . قال سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه لابنه عمر وقد سمعه يسجع : هذا الذي يبغضك إلي لا قضيت حاجتك أبدا حتى تتوب ، وقد كان جاءه في حاجة ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم لعبد اللّه بن رواحة في سجع من ثلاث كلمات : « إياك والسجع يا ابن رواحة » .
شرح
فيه ) حسن وهو ( دعوة الخلق إلى الحق ) وترغيبهم إليه وردعهم عن الدنيا الفانية ، وأعظم من ذلك من جوّز وضع الأحاديث على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأباح روايتها في الترغيب والترهيب تعلقا بما ورد في بعض روايات حديث : « من كذب عليّ متعمدا ليضل به الناس فليتبوّأ مقعده من النار » فاعلم أن كل ذلك باطل باتفاق الأئمة . ( وهذا ) الذي صار إليه بما زعمه لا شك في أنه ( من نزعات الشيطان ) سوّل لهم بذلك وحسنه ، ( فإن في الصدق مندوحة عن الكذب ) أي سعة . ومنه حديث عمران بن الحصين رضي اللّه عنه : إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب .
أي في التعريض في القول من الأتساع ما يغني الرجل عن الاضطرار إلى الكذب المحض ، وفي كتاب لحن العوام للزبيدي يقال له عن هذا مندوحة ومنتدح . أي : متسع وهو الندح أيضا . وقال أبو عبيد : المندوحة الفسحة والسعة ، ( وفيما ذكر اللّه سبحانه ) في كتابه العزيز من القصص العجيبة ( و ) ذكره ( رسوله ) صلّى اللّه عليه وسلّم من الأحاديث التي نقلها الثقات ( غنية عن الأختراع ) أي الابتداع ( في الوعظ ) والتذكير . ( كيف وقد كره تكلف السجع ) وهو الكلام المقفى الموزون ( وعد ذلك من التصنع ) أي التكلف .
( قال سعد بن أبي وقاص ) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري ، فارس الاسلام وأحد العشرة . روى عنه بنوه إبراهيم وعمر ومحمد وعامر ومصعب وعائشة ، أسلم سابع سبعة ، توفي سنة 55 ( لابنه عمر ) روى عنه ابنه إبراهيم ، وأبو إسحاق ، وأرسل عنه الزهري وقتادة . قال ابن معين : كيف يكون من قتل الحسين ثقة قتله المختار سنة 67 ، ( وقد سمعه يسجع ) في كلام . وفي نسخة يتسجع ( هذا الذي يبغضك إليّ لا قضيت حاجتك أبدا ) إذ رأى ذلك بدعة حدثت في الأقوال ، ( وقد كان جاءه في حاجة ) يتقضاها منه فقال عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما أوتي امرؤ شرا من طلاقة لسانه . أورده صاحب القوت ، ثم قال ( وقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم العبد اللّه بن رواحة ) ابن ثعلبة الأنصاري من بني الحرث بن الخزرج . أبو محمد الأمير بدري نقيب أستشهد بمؤتة روى عنه أنس ابن مالك ، وابن عباس وأرسل عنه جماعة ( في سجع ) ونص القوت حين سجع فوالى ( بين ثلاث كلمات ) أي تابع بينها : ( إياك والسجع يا بن رواحة ) .
قال العراقي : لم أجده مرفوعا ، ولأحمد وأبى يعلى وابن السنى وأبي نعيم في كتابيهما رياضة المتعلمين باسناد صحيح من رواية الشعبي ، عن مسروق ، عن عائشة رضي اللّه عنها انها قالت لكاتب :
إياك والسجع ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه كانوا لا يسجعون . زاد ابن السنى بعد قولها : إياك والسجع لا تسجيع ، ورواه ابن حبان في صحيحه من رواية الشعبي ، عن ابن أبي السائب قاص