تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
يستحق الحمد الحقيقي ، وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ويتوجه إلى القبلة ويقول :
( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً )
[ الأنعام : 79 ] ، وهو أول كذب يفاتح اللّه به كل يوم إن لم يكن وجه قلبه متوجها إلى اللّه تعالى على الخصوص ، فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات ، والكعبة ليست جهة للذي فطر السماوات والأرض حتى يكون المتوجه إليها متوجها إليه تعالى عن أن تحده الجهات والأقطار . وإن أراد به وجه القلب وهو المطلوب المتعبد به فكيف يصدق في قوله وقلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه واستكثار الأسباب ومتوجه بالكلية إليها ، فمتى وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض ، وهذه الكلمة خبر عن حقيقة التوحيد ، فالموحد هو الذي لا يرى إلا الواحد ولا يوجه وجهه إلا إليه ، وهو امتثال قوله تعالى :
( قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ
شرح
يستحق الحمد الحقيقي وذلك كإفلاس من يصبح بكرة ) أي يأتي في أوّل النهار ( ويتوجه ) بعد تطهيره ( إلى القبلة ) لصلاة الصبح ( وهو يقول :وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً )وما أنا من المشركين ، أي : قصدت بعبادتي وتوجهي ( وهو أوّل كذب يفاتح اللّه تعالى به كل يوم ) عند قيامه إلى الصلاة ( إن لم يكن وجه قلبه متوجها إلى اللّه تعالى على الخصوص ) أي بالإخلاص وتجري الاستقامة بحيث لا يكون له التفات في ذلك إلى ما سواه ( فإنه إن أراد بالوجه وجه الظاهر فما وجّه ) هو ( وجهه إلا إلى الكعبة وما صرفه إلا عن سائر الجهات ) ما عدا مكة ، ( والكعبة ليست جهة للذي فطر السماوات والأرض حتى يكون المتوجه إليها ) خاصة ( متوجّها إليه تعالى أن تحده الجهات والأقطار ، وإن أراد به وجه القلب ) كما هو المتبادر ( وهو المطلوب ) من العبد ( المتعبد به ) . وفي بعض النسخ : للتعبد به ( فكيف يصدق ) فيه ( وقلبه متردد في أوطاره وحاجاته الدنيوية ) كيف يفعل في كذا وكيف يترك عن كذا ( ومتصرف في طلب الحيل في جمع الأموال والجاه ) وهو الحظوة عند الأمراء ( واستكثار الأسباب ) والعوارض واسترباحها ( ومتوجه بالكلية إليها ) أي إلى تلك الأمور المذكورة ( فمتى وجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض ، وهذه الكلمة ) الشريفة ( خبر عن حقيقة التوحيد ) لكونها مشيرة إلى الإخلاص في التوجه والإمحاض في العبودية والتحري في الاستقامة ، ومن هنا قال الشبلي : من اطلع على ذرّة من علم التوحيد ضعف عن حمل بقيته لثقل ما حمل ، ( فالموحد ) الحقيقي ( هو الذي لا يرى إلا الواحد ) أي لا يرى الشيء من حيث هو وإنما يراه من حيث أوجده اللّه تعالى بالقدرة وميزه بالإرادة على سابق العلم القديم ، ثم أدام القطر عليه في الوجود فصح قوله لا يرى إلا الواحد ( ولا يتوجه بوجهه إلا إليه ) ، ومن هنا قال بعض أهل التحقيق : إن التوحيد هو نفي القسيم لذاته ونفي الشبيه في حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته ،