اتخذوا هذا معتصما في التمدح والتفاخر بما اسمه محمود مع الإفلاس عن المعنى الذي
شرح
فقال : التوحيد محو آثار البشرية وتجرد الإلاهية . وقال ابن عطاء : حقيقة التوحيد نسيان التوحيد وهو أن يكون القائم به واحدا ، ويقال : من الناس من يكون في توحيده مكاشفا بالأفعال يرى الحادثات باللّه ، ومنهم من هو مكاشف بالحقيقة فيضمحل إحساسه بما سواه فهو يشاهد الجمع سرا بسر وظاهره بوصف التفرقة ، وقد ذكر المصنف في كتابه الإملاء على مشكل الاحياء سر انقسام التوحيد على أربعة أقسام تشبها بالجوز لأنه لا يخلو العاقل أن يوجد فيه أثر التوحيد أو لا يوجد ، ومن يوجد فيه لا يخلو أن يكون مقلدا في عقده أو عالما به ، فالمقلدون هم العوام ، والعلماء بحقيقة عقدهم لا يخلو واحد منهم أن يكون بلغ الغاية المطلوبة التي أعدت لصنفه دون النبوّة أو لم يبلغ ولكنه قريب من البلوغ ، فالذي لم يبلغ وكان على قرب هم المقربون وهم أهل المرتبة الثالثة ، والبالغون هم الصديقون وهم أهل المرتبة الرابعة ، ثم قسّم أرباب النطق إلى أربعة أصناف . أحدهم : نطقوا بكلمة التوحيد ثم لم يعتقدوا معنى ما نطقوا به . الثاني : نطقوا ولكن أضافوا إلى قولهم ما لا يحصل مع الإيمان وهم الزنادقة . الثالث : نطقوا ولكنهم أسروا التكذيب واستبطنوا ما ظهر منهم من الإقرار وهم المنافقون . الرابع : نطقوا وهم على الجهل بما يعتقدون فيها ، وحكم الصنف الأوّل والثاني والثالث من زمرة الهالكين ، ولما كان اللفظ المنبىء عن التوحيد إذا انفرد عن العقد لم يقع له في حكم الشرع منفعة ولا لصاحبه نجاة إلّا مدة حياته عن السيف واليد حسن فيه أن يشبه بقشر الجوز الأعلى ، ثم قسم أهل الاعتقاد المجرد إلى ثلاثة أصناف .
الأول : اعتقدوا مضمون ما أقروا به من غير ترديد غير عارفين بالاستدلال . الثاني : اعتقدوا مع ذلك ما قام في نفوسهم أنها أدلة وبراهين وليست كذلك . الثالث : مع ذلك استبعدوا طريق العلم وقنعوا بالقعود في حضيض الجهل ، ثم ذكر في أصناف أهل الاعتقاد تفصيلا آخر ، ثم قال : ولما كان الاعتقاد المجرد عن العلم بصحته ضعيفا ألقي عليه شبه القشر الثاني من الجوز ، ولأن ذلك القشر يؤكل مع ما هو عليه صوان ، وإذا انفرد أمكن أن يكون طعاما للمحتاج ، ثم ذكر لتوحيد المقرين ثلاثة حدود والأسباب الموصلة إليه وحقيقته وثمراته ، ثم ذكر لأرباب هذا المقام ثلاثة أصناف وقال : إنما سموا أهل هذه المرتبة المقربين لبعدهم عن ظلمات الجهل وقربهم من نيرات المعرفة ، ثم قال في توحيد الصديقين : وأما أهل المرتبة الرابعة فهم قوم رأوا اللّه تعالى وحده ، ثم رأوا الأشياء بعد ذلك به ، فلم يروا في الدارين غيره ولا اطّلعوا في الوجود على سواه ، وأهل هذه المرتبة صنفان مريدون ومرادون ، فالمريدون في الغالب لا بدّ لهم أن يحلوا في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقربين ومنها ينتقلون إلى المرتبة الرابعة ، وأما المرادون فهم في الغالب مبتدؤن بمقامهم الأخير وهي المرتبة الرابعة ومتمكنون فيها ، ومن أهل هذا المقام يكون القطب والأوتاد والبدلاء ، ومن أهل المرتبة الثالثة يكون النقباء والنجباء والشهداء والصالحون واللّه أعلم .
( فانظر إلى ما ذا حوّل ) لفظ التوحيد ، ( وبأي قشر قنع منه وكيف اتخذوا هذا ) الذي سموه توحيدا ( معتصما ) ومتمسكا ( في التمدح ) به ( والتفاخر بما ) بالذي ( اسمه محمود عن الافلاس ) أي الخلو والفروغ . وفي بعض النسخ : على الإخلاص وهو بمعناه ( عن المعنى الذي