أن تقول بلسانك لا إله إلا اللّه ، وهذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث الذي صرح به النصارى ، ولكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره ، والقشر الثاني : أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول ؛ بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده والتصديق به ، وهو توحيد عوام الخلق والمتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة ، والثالث : هو اللباب أن يرى الأمور كلها من اللّه تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط ، وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ويخرج عن هذا التوحيد
شرح
الذي يصرح به النصارى في كتبهم ) وهو قولهم : إن اللّه ثالث ثلاثة تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، ( لكنه ) أي هذا التوحيد ( قد يصدر عن المنافق الذي يخالف سره جهره ) فيعد بذلك من أهل الإسلام ولكنه على غير إيقان وإخلاص من قلبه ( والقشر الثاني : أن لا يكون في القلب مخالفة وإنكار لمفهوم هذا القول ) بل بانشراح الصدر وعدم التردد فيه ، ( بل يشتمل ظاهر القلب على اعتقاده ذلك ) ولا يخالف اللسان ( والتصديق به وهو توحيد عوام الخلق ) كما أن الأوّل لبعض العوام أيضا ( والمتكلمون كما سبق حراس هذه القشرة ) وفي نسخة : هذا القشر ( عن تشويش المبتدعة ) أي عن إدخالهم الشبه في هذا التوحيد ما يشوش بها أذهانهم والتشويش مولدة . ( الثالث : هو اللباب ) المحض ( أن يرى الأمور كلها من اللّه تعالى رؤية تقطع التفاته عن الوسائط ) والأسباب كما تقدم قريبا ، ( وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبد غيره ) .
قال القشيري في الرسالة : سئل ذو النون المصري عن التوحيد ، فقال : أن تعلم أن قدرة اللّه تعالى في الأشياء بلا مزاج وصنعه للإنسان بلا علاج وعلة كل شيء صنعه ولا علة لصنعه ومهما تصوّر في فهمك ونفسك شيء فاللّه تعالى بخلافه . وسئل الجنيد عن التوحيد فقال : إقرار الموحد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولم يولد ينفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )[ الشورى : 11 ] . وسئل مرة عن توحيده الخاص فقال : أن يكون العبد شبحا بين يدي اللّه عز وجل تجري عليه تصاريف تدبيره في مجاري أحكام قدرته في لجج بحار توحيده بالفناء عن نفسه ، وعن دعوة الخلق له وعن استجابته بحقائق وجوده ووحدانيته في حقيقة قربه بذهاب حسه وحركة لقيام الحق له فيما أراد منه ، وهو أن يرجع آخر العبد إلى أوّله فيكون كما كان قبل أن يكون ، وقال مرة : التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان وقطع المحاب وترك ما علم وجهل ، وأن يكون الحق مكان الجميع ، وقال أيضا : علم التوحيد طوى بساطه منذ عشرين سنة والناس يتكلمون في حواشيه ، وقال أبو سعيد الخراز : أوّل مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده باللّه تعالى اه ما لخصته من الرسالة .