تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول ، بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة . فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أوّل السماع ، فلقد كان ذلك معلوما للكل ، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله ، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين ، وإن فهموه لم يتصفوا به ، وهو أن يرى الأمور كلها من اللّه عز وجل رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط ، فلا يرى الخير والشر كله إلا منه جلّ جلاله ، فهذا مقام شريف إحدى ثمراته التوكل ، كما سيأتي بيانه في كتاب التوكل . ومن ثمراته
شرح
من ذكر البراهين وإيراد الشبه ( لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول ) هو عصر الصحابة والتابعين ، ( بل كان يشتد النكير ) أي الإنكار ( منهم على من كان يفتح باب الجدل والمماراة ) أي المخاصمة ، كما سيأتي ذلك عن سيدنا عمر ، وتقدم ضربه صبيغا بالدرة ، وكذا غيره من الصحابة ومن بعدهم ، فإنهم كانوا يفرون من ذلك ويجعلون المشتغل به مبتدعا ، ( فأما ما يشتمل عليه القرآن ) ظاهره ، ( ومن الأدلة الظاهرة ) والبراهين القاطعة الدالة على توحيده عز وجل ( التي تسبق الأذهان ) السليمة عن الشكوك ( إلى قبولها في أول السماع ) والتلقي . ( فلقد كان معلوما للكل ) لا يختلف فيه اثنان ، ( وكان العلم بالقرآن ) أي بما تضمنه من الأحكام ( وهو العلم كله ) لا يخرج عنه شيء ( وكان التوحيد عندهم ) في العصر الأول ( عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر المتكلمين ) ولا يحومون حماه ، ( وإن ) كشف لجماعة منهم و ( فهموه لم يقوموا به ) وفي نسخة : لم يتصفوا به أي لم تظهر عليهم آثار ذلك الأمر لعدم انفعال طبيعته المحجوبة لقبول ذلك الأثر ( وهو أن ترى الأمور كلها من اللّه عن وجل ) وهذا مشهد من يفرغ إناءه الذي هو القلب من الأغيار وإليه الإشارة بقوله : ( رؤية تقطع التفاته عن الأسباب والوسائط ) وهو أعلى درجات الموحدين السالكين يرجون رحمته . أي : رؤيته ويخافون عذابه أي حجابه ، وهم التاركون للمساوىء الدينية المتلبسون بالمحاسن السنية هم أهل المحبة اللدنية ومحبة العبد . هذه هي السبب في محبة اللّه له بشرط فنائه في رؤية هذا السبب وسائر الحظوظ بنفي نسبة شيء من ذلك كله إليه ، ( فلا يرى الخير والشر إلا منه ) تعالى ، وللموحدين في هذا مراتب . أعلاها هو التوحيد الخالص ويتحقق به الموحد بعد نفي رؤية الفناء لأنها تسمى عندهم الشرك الأصغر ، ( وهذا أمر شريف ) يحصل به كل الهناء ، لأن هذه الحضرة شرابها صرف وهي تسمي حضرة الجمال . أي : جمال ذات اللّه والتي قبلها مزاج وتسمى حضرة الجلال ، والسالكون ثلاثة جلالي وهو إلى الشريعة أميل ، وجمالي إلى الحقيقة أميل ، وكمال جامع لهما على حد سواء هو منهما أفضل وأكمل لترقيه إلى حضرة الجمال والشماهدة ، للوفاء بحقوق الحقيقة وتدليه إلى حضرة الجلال للمجاهدة ، والقيام بحقوق الشريعة ( إحدى ثمراته التوكل ) على اللّه عز وجل ( كما سيأتي في كتاب التوكل ) إن شاء اللّه تعالى . ( ومن ثمراته أيضا ترك