تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف نفسه عن اعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم ، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوي ، ولست أقول أن اسم الفقه لم يكن متناولا للفتاوي في الأحكام الظاهرة ، ولكن كان بطريق العموم والشمول أو بطريق الاستتباع ، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر فبان من هذا التخصيص تلبيس بعث الناس على التجرد له والإعراض عن علم الآخرة وأحكام القلوب ، ووجدوا على ذلك معينا من الطبع ، فإن علم الباطن غامض والعمل به عسير والتوصل به إلى طلب الولاية والقضاء والجاه والمال متعذر ، فوجد الشيطان مجالا لتحسين ذلك في
شرح
رأيت فقيها بعينك إنما الفقيه ) حقيقة هو ( الزاهد في الدنيا ، الراغب في الآخرة البصير بدينه ) . وفي بعض النسخ : بذنبه ( المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن اعراض المسلمين ) وفي بعض النسخ : الناس ( العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم ) ، أورد هذه القصة هكذا صاحب القوت وقال : جمعنا قوله هذا في روايات عنه مختلفة فوصف وصف العارفين ، وأخرج أبو نعيم في الحلية بسنده إلى علي بن معاذ عن ليث قال : كنت أسأل الشعبي فيعرض عني ويجبهني بالمسألة فقلت : يا معشر الفقهاء تروون عنا أحاديثكم وتجبهونا بالمسألة ، فقال الشعبي ، يا معشر العلماء ، يا معشر الفقهاء لسنا بفقهاء ولا علماء ولكنا قوم قد سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا إنما الفقيه من ورع عن محارم اللّه والعالم من خاف اللّه انتهى . ( ولم يقل في جميع ذلك ) الفقيه ( هو الحافظ لفروع الفتاوي ) والأحكام والأقضية ، ( ولست أقول أن اسم الفقه لم يكن متناولا ) أي شاملا ( للفتاوي في الأحكام الظاهرة ، ولكن كان بطريق العموم والشمول ) . قال أبو البقاء : هما بمعنى واحد ، وهو الإكثار وإيصال الشيء إلى جماعة . وقال غيره : العموم ما يقع من الاشتراك في الصفات ، وفي الليث العابس حد العام وهو اللفظ المستغرق لما يصلح له من غير حصر ، والصحيح دخول الصور النادرة تحته وإن لم تخطر بالبال ( أو بطريق الإستتباع ) بأن يجعل علم الفتاوي تابعا لبقية علوم الآخرة ، ( و ) لكن ( كان اطلاقهم له ) أي لعلم الفقه ( على علم الآخرة أكثر ) وذلك في الصدر الأول ، ( فبان من هذا التخصيص ) بعلم الفتاوي خاصة أي قام منه وانبعث ( تلبيس ) تخليط ( بعث الناس ) وحملهم ( على التجرد له ) أي الانفراد لطلبه والإقبال عليه ( والإعراض عن علم الآخرة و ) علم ( أحكام القلوب ووجدوا على ذلك ) أي على طلبه ( معينا ) مساعدا ( من الطبع ) والجبلية ، ( فإن علم الباطن ) الذي سبق بيانه ( غامض ) خفي المدرك يحتاج إلى رياضة ( والعلم به ) بالتوصل إليه ( عسير ) على غالب الناس . وفي نسخة : والعمل به عسير ( والتوصل به إلى طلب ) المناصب الدنيوية مثل ( الولاية والقضاء و ) كذا التوصل به إلى تحصيل ( الجاه والمال ) كل ذلك ( متعذر ) . قل من يصل إلى ما ذكر