تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
الاستعمال به قديما وحديثا . قال تعالى :
( لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ )
[ الحشر الآية : 13 ] . فأحال قلة خوفهم من اللّه واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه ، فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى ، أو هو نتيجة عدم ما ذكرناه من العلوم . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « علماء حكماء فقهاء » للذين وفدوا عليه . وسئل سعد بن إبراهيم الزهري رحمة
شرح
يفهم وقالوا : كل عالم بشيء فهو فقيه به . وفي الغريبين : فقه فهم وفقه صار فقيها . وقال ابن قتيبة ، يقال للعلم : الفقه لأنه عن الفهم يكون وللعالم فقيه لأنه إنما يعلم بفهمه على تسمية الشيء بما كان له سببا . وقال ابن الأنباري : معنى قولهم فقيه أي عالم . قال السمين : أصل الفقه الفهم ، وقيل : فقه الأشياء الخفية فهو أخص من مطلق الفهم ، وقيل : هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص أيضا من مطلق الفهم ، ولذلك قال تعالى :( وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ )[ الإسراء : 44 ] أي ليس في وسعهم معرفة حقيقة ذلك ، ويقال : فقه بالضم صار الفقه سجية له وطبعا ، وفقه بالكسر أي حصل له فهم ، وفقه بالفتح أي غلب غيره في الفقه هذا ما تيسر لنا بيانه في تحقيق لفظ الفقه . وأما الفهم ؛ فقال الجوهري : فهمت الشيء علمته ، فالفهم والعلم بمعنى واحد وقال البدر العيني في شرحه على البخاري : تفسير الفهم بالعلم غير صحيح ، لأن العلم عبارة عن الإدراك الجلي والفهم جودة الذهن ، والذهن قوة تقتنص بها الصور والمعاني وشمل الإدراكات العقلية والحسية . قال الليث يقال فهمت الشيء أن عقلته وعرفته . قال العيني : وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهو غير العلم اه . وقال ابن بطال : التفهم للعلم هو التفقه فيه ولا يتم العلم إلا بالتفهم ، ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : واللّه ما عندنا إلا كتاب اللّه ، أو فهم أوتيه رجل مؤمن ، فجعل الفهم درجة أخرى بعد حفظ كتاب اللّه لأنه بالفهم له تتبين معانيه وأحكامه ، وقد نفي صلّى اللّه عليه وسلّم العلم عمن لا فهم له بقوله : « رب حامل فقه لا فقه له » . وقال صاحب القوت بعد ما ذكر أن الفقه والفهم لمعنى واحد ما نصه : وقد فضل اللّه عز وجل الفهم عنه على العلم والحكمة ، ورفع الأفهام على الأحكام والقضاء ، فقال عز من قائل :( فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ )[ الأنبياء : 79 ] فأفرده بالفهم عنه ، وهو الذي فضله به على حكم أبيه في القضية بعد أن أشركهما في الحكم والعلم . ( وإنما تكلم في عادة الاستعمال ) بينهم ( قديما وحديثا . قال ) اللّه ( تعالى :لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ )[ الحشر : 13 ] أي خفي عليهم الفرق بين الخوفين فلم يعرفوا اللّه حق المعرفة ( فأحال قلة خوفهم من اللّه ) تعالى الناشئ عن عدم اليقين باللّه ( واستعظامهم سطوة الخلق على قلة الفقه ) ، بل عدمه . ( فانظر إن كان ذلك نتيجة عدم الحفظ لتفريعات الفتاوى ) في الأحكام الشرعية ( أو نتيجة عدم ما ذكرنا من العلوم ) . وقد فضل الحسن بين علماء الهداية إلى اللّه الدالين عليه وسماهم العلماء وحققهم بالعلم في كلام روي عنهم في ذلك . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « علماء حكماء فقهاء » ) قاله ( للذين وفدوا عليه ) . وفي نسخة قدموا عليه . قال العراقي :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 368 | مرتضى الزبيدي