تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
دون الفتوى . ولعمري أن الفقه والفهم في اللغة إسمان بمعنى واحد ، وإنما يتكلم في عادة
شرح
الشرعي ، ( وأراد به معاني الإيمان دون ) علم ( الفتاوي ) . قال صاحب القوت في حق الموسومين بالفقه ولا يشعر أن حسن الأدب في المعاملة بمعرفة ويقين هو من صفات الموقنين ، وذلك هو حال العبد من مقامه بينه وبين ربه عز وجل ، ونصيبه من ربه تعالى ، وحظه من مزيد آخرته وهو معقود بشهادة التوحيد الخالصة المقترنة بالإيمان من خفايا الشرك وشعب النفاق بالفرائض وفرض فرضها الإخلاص بالمعاملة ، وأن علم ما سوى هذا قد أشرب قلبه وحبب إليه من فضول العلوم وغرائب الفهوم ، وإنما هو حوائج الناس ونوازلهم فهو حجاب عن هذا واشغال عنه فآثر هذا الغافل بقلة معرفته بحقيقة العلم النافع ما زين له طلبه وحبب إليه قصده وآثر حوائج الناس وأحوالهم على حاجته وحاله ، وعمل في أنصبتهم منه في عاجل دنياهم من نوازل طوارقهم وفتياهم ، ولم يعمل في نصيبه الأوفر من ربه الأعلى عز وجل لأجل آخرته التي هي خير وأبقى إذ مرجعه إليها ومثواه المؤبد فيها فآثر التقرب منهم على قربه عز وجل وترك للشغل بهم حظه من اللّه تعالى الأجزل ، وقدم التفرغ لهم على فراغ قلبه لما قدم لقوة عن تقواه بالشغل بخدمة مولاه وطلب رضاه ، واشتغل بصلاح ألسنتهم عن صلاح قلبه وظواهر أحوالهم عن باطن حاله . وكان سبب ما بلي به حب الرئاسة وطلب الجاه عند الناس ، والمنزلة بموجب السياسة ، والرغبة في عاجل الدنيا وغيرها بقلة الهمة وضعف النية في آجل الآخرة وذخرها ، فأفنى أيامه لأيامهم وأذهب عمره في شهواتهم ليسميه الجاهلون بالعلم عالما ، وليكون في قلوب الطالبين عندهم فاضلا ، فورد القيامة مفلسا وعندما يراه من أنصبه المقربين مبلسا إذ فاز بالقرب العاملون وربح الرضا العالمون اه . وقال في موضع آخر من كتابه بعد أن ذكر حديث : « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون ، وهذا مخصوص لمن كان له قلب أو ألقى سمعه وشهد قيام شاهده وعري عن شهواته ، لأن الفقه ليس من أوصاف اللسان ألم تسمع قوله سبحانه وتعالى :( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )فمن كان له قلب سميع شهيد فقه به الخطاب فاستجاب لما سمع وأناب . ( ولعمري أن الفقه والفهم في اللفظ إسمان لمعنى واحد ) . ونص القوت : والفقه والفهم إسمان لمعنى واحد العرب تقول : فقهت بمعنى فهمت اه . قلت : الفقه لغة الفهم . قال ابن سيده في المخصص : فقه ككبر فقاهة وهو فقيه من قوم فقهاء . وقال غيره : فقه كعلم فقها بكسر وفتح معا ويعدّى فيقال فقهته ، كما يقال : علمته . وقال سيبويه : فقه فقها فهو فقيه كعلم علما فهو عليم ، وقد أفقهته وفقهته وعلمته وفهمته ، والتفقه تعلم الفقه وفقهت عليك فهمت . وقال عيسى بن عمر : شهدت عليك بالفقه أي بالفطنة ، وفي المحكم الفقه العلم بالشيء والفهم له وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم . وفي المواهب لأبي التياني : فقه فقها مثال حذر إذا فهم ، وأفقهة بينت له . وفي الصحاح فاقهته باحثته في العلم . وقال القزاز في جامعه : تفقه الرجل كثر علمه وفلان ما يتفقه ولا يفقه أي : لا يعلم ولا