هو الأفقه ، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأوّل مطلقا على علم طريق الآخرة ، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال ، وقوّة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة ، واستيلاء الخوف على القلب ، ويدلك عليه قوله عز وجل :
( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ )
[ التوبة : 122 ] وما يحصل به الانذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة ، فذلك لا يحصل به انذار ولا تخويف ، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما نشاهد الآن من المتجردين له . وقال تعالى :
( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )
[ الأعراف : 179 ] وأراد به معاني الإيمان
شرح
دخولا في عمقها ( وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه ) أي أكثرهم فقها ، ( ولقد كان اسم الفقه في العصر الأوّل ) كأنه يعني عصر الصحابة ( مطلقا على علم طريق الآخرة ) وهو ما يحويه علم المكاشفة والمعاملة ، ( و ) على ( معرفة دقائق آفات النفوس ) وفي نسخة النفس ( ومفسدات الأعمال و ) على ( قوّة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب ) ، ولذا فسره الإمام أبو حنيفة رحمه اللّه تعالى بمعرفة النفس مالها وما عليها ؛ أي : سواء كان من الاعتقاديات أو الوجدانيات أو العمليات ، فدخل في الاعتقاديات علم الكلام ، وفي الوجدانيات علم الاخلاق والتصوّف كالزهد والصبر والرضا وحضور القلب في الصلاة ونحو ذلك ، وفي العمليات الصلاة والزكاة والصوم والبيع ونحوها . ( ويدلك عليه قوله تعالى ) :( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )[ التوبة : 122 ] ( وما يحصل به الإنذار والتخويف هو هذا العلم وهذا الفقه ) الذي أشرنا إليه . وفي القوت في الباب الثلاثين : لان علم الإيمان وصحة التوحيد وإخلاص العبودية للربوبية واخلاص الأعمال من الهوى الدنيوية ، وما تعلق بها من أعمال القلب هو من الفقه في الدين ونعت أوصاف المؤمنين ، إذ مقتضاه الإنذار والتخويف لقوله تعالى :( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ )الآية . ( دون تفريعات الطلاق واللعان ) والظهار والإيمان والكفارات والنذور ( والسلم والإجارة ) وما أشبهها ، ( فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف ) الذي في الآية . وفي القوت في قوله :( لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ )وصفان ظهرا عن الفقه .
أحدهما : النذارة وهو مقام في الدعوة إلى اللّه تعالى ، ولا يكون المنذر إلا مخوّفا ولا يكون المخوّف إلا خائفا والخائف عالم . والثاني : الحذر وهو حال من المعرفة باللّه عز وجل وهو الخشية له ، ( بل التجرد له ) أي الاشتغال به ( على الدوام يقسي القلب ) ويورث الغفلة عن تحصيل مقام الاخلاص في الأعمال ( وتنزع الخشية منه كما يشاهد ) ذلك ( من المتجردين له ) ، وهذا في زمان المصنف وهو في القرن الخامس فما بالك بزماننا الآن . اللهم وفقنا للخير واهدنا للصواب آمين .
( وقال تعالى :لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها )[ الأعراف : 179 ] أي لا يعلمون بها العلم