تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
على طرق بعضها إلا الأنبياء والأولياء ، فيجب كف الناس عن البحث عنها وردهم إلى ما نطق به الشرع ، ففي ذلك مقنع للموفق ، فكم من شخص خاض في العلوم واستضربها ولو لم يخض فيها لكان حاله أحسن في الدين مما صار إليه ولا تنكر كون العلم ضارا لبعض الناس كما يضر لحم الطير وأنواع الحلوى اللطيفة بالصبي الرضيع ، بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور ، فلقد حكي أن بعض الناس شكا إلى طبيب عقم امرأته وأنها لا تلد ، فجس الطبيب نبضها وقال : لا حاجة لك إلى دواء الولادة ، فإنك ستموتين إلى أربعين يوما ، وقد دل النبض عليه فاستشعرت المرأة الخوف العظيم وتنغص عليها عيشها وأخرجت أموالها وفرقتها ، وأوصت وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة فلم تمت ، فجاء زوجها إلى الطبيب وقال له : لم تمت ، فقال الطبيب :
شرح
بها ) لأنها ذوقية كشفية ( ولا يستقل بها وبالوقوف على طرق بعضها إلا ) السادة ( الأنبياء ) عليهم الصلاة والسلام بما يتلقون من الوحي ( والأولياء ) رحمهم اللّه تعالى بمجاهداتهم ورياضاتهم فيفيض اللّه على قلوبهم أنوارا يكشفون بها ما خفي عن كثيرين ، وسيأتي عن سهل أن للإلهية سرا لو انكشف لبطلت النبوات وللنبوات سرا لو انكشف لبطل العلم وللعلم سرا لو انكشف لبطلت الأحكام ، ( فيجب كف الناس ) ومنعهم ( عنها ) . وفي نسخة : عن البحث عنها ( وردهم إلى ما نطق به الشرع ) وأرشدنا لمعرفته ، ( ففي ذلك مقنع ) أي كفاية ( للموقن ) . وفي نسخة : للمؤمن . وفي أخرى : للموفق ، ( وكم من شخص خاض في العلوم واستضر بها ) أي وجد الضرر بها بأن استمالته إلى فساد في العقيدة أو حيرته فلم يجد له عنها مخلصا ( ولو لم يخض فيها ) ومشى على سنن ظاهر الشريعة ( لكان حاله أحسن في الدين منه قبل الخوض فيها البتة ) أي قطعا ولأن يعيش الإنسان خلف البقر عاميا يصلي فرضه ويصوم شهره خير له من هذه العلوم التي يتضرر بها في دينه ( ولا تنكر ) أيها المعاند ( كون العلم ضارا لبعض الناس ) دون بعض ( كما يضر لحم الطير ) مطلقا ( وأنواع الحلوى ) وفي نسخة : الحلاوى ( اللطيفة بالصبي الرضيع ) . وفي نسخة : المرضع أي لضعف معدته ، ( بل رب شخص ينفعه الجهل ببعض الأمور ) أحيانا ، ( فلقد حكي أن بعض الناس شكا إلى الطبيب ) وكان حاذقا بصيرا بالأمور ( عقم زوجته وأنها لا تلد ) هذه مفسرة للأولى ، ( فحبس الطبيب نبضها ) أي عرق يدها فرآها ليس بها من مرض يمنعها من الولادة ( فقال لها : لا حاجة بك إلى دواء الولادة فإنك ستموتين إلى ) انتهاء ( أربعين يوما ، وقد دل النبض عليه ) أي أماراته ( فاستشعرت المرأة خوفا عظيما ) أي لبست شعاره ( وتنغص عليها عيشها ) أي تكدر ( وأخرجت أموالها ) في وجوه البر ( وفرقتها ) على الفقراء ، ( وأوصت بوصايا وبقيت لا تأكل ولا تشرب حتى انقضت المدة ) الموعود بها ( فلم تمت ، فجاء زوجها إلى الطبيب وقال له ) إنها ( لم تمت فقال الطبيب : علمت ذلك فجامعها الآن
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 359 | مرتضى الزبيدي