سير الكواكب ، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة ، وأنها الآلهة المدبرة لأنها جواهر شريفة سماوية ، ويعظم وقعها في القلوب فيبقى القلب ملتفتا إليها ، ويرى الخير والشر محذورا أو مرجوّا من جهتها ، وينمحي ذكر اللّه سبحانه عن القلب ، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط ، والعالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره سبحانه وتعالى ، ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس ، مثال النملة لو خلق لها عقل وكانت على سطح قرطاس وهي تنظر إلى سواد الخط يتجدّد ، فتعتقد أنه فعل القلم ولا تترقى في نظرها إلى مشاهدة الأصابع ، ثم منها إلى اليد ، ثم منها إلى الإرادة المحركة لليد ، ثم منها إلى الكاتب القادر المريد ، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة ، فأكثر نظر الخلق
شرح
( فإنه إذا ألقي إليهم ) في تفسير ما قرروه ( أن هذه الآثار ) من الحوادث والحركات ( تحدث ) وتقع ( عقيب سير الكواكب ) أو عند مقابلاتها ( وقع في نفوسهم ) في أول وهلة ( أن الكواكب هي المؤثرة ) بأنفسها لتلك الحوادث ، ( وأنها ) أي تلك الكواكب ( الآلهة المؤثرة ) في الكون ، كما وقع ذلك لكثير من جهلاء اليهود والنصارى والفلاسفة ( لأنها جواهر شريفة سماوية ) ، فلا يبعد الظن عن نسبة التأثير والتدبير إليها ، ( ويعظم وقعها في القلوب ) لغرابتها ويحسن له الشيطان ويزينه في القلوب ( فيبقى القلب ملتفتا إليها ) أي إلى الكواكب باستمالة الشيطان ويتمكن ذلك في اعتقاده ، ( ويرى الشر والخير محذورا ) أي ممنوعا ( ومرجوا من جهتها و ) حينئذ ( يتنحى ) أي يبعد ( ذكر اللّه تعالى عن القلب ) ، فإنه ليس له إلا وجهة واحدة ، ( فإن الضعيف ) الإيمان والاعتقاد ( يقصر نظره ) لقصوره ( على الوسائط ) ولا يتجاوز عنها ( فإن الضعيف ) الإيمان والاعتقاد ( يقصر نظره ) لقصوره ( على الوسائط ) ولا يتجاوز عنها ( والراسخ ) في العلم ( هو الذي يطلع على ) أسرار أقوال اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويعتقد ( أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره تعالى ) أي : جارية لمنافع العباد ويتدرج في معرفة ذلك إلى معرفة سر التسخير الذي هو القهر والإذلال ، وأنها لو كانت مؤثرة أو آلهة مدبرة لم تقهر ولم تسخر ، ( ومثال نظر الضعيف إلى حصول ضوء الشمس عقيب طلوع الشمس ، مثل النملة لو خلق لها عقل ) مثلا إذ لها إدراك ما ( و ) فرض أنها ( كانت على سطح ) أي موضع مسطح ( في قرطاس ) ، وفي بعض النسخ كانت في ظهر قرطاس ، وفي أخرى في سطح قرطاس ( وهي تنظر إلى سواد الخط ينحدر ) ، وفي نسخة : يتجدد ، ( فتعتقد أنه فعل القلم ولا يترقى نظرها إلى مشاهدة الأصابع ) التي تملك القلم ، ( ثم منها إلى اليد ) التي تركبت فيها تلك الأصابع ، ( ثم منها إلى الإرادة المحركة لليد ) وهي القوة المركبة من شهوة وحاجة وأمل ، وهذا بالنظر إلى أصل اللغة ، ( ثم منها إلى الكاتب القادر المريد ، ثم منه إلى خالق اليد والقدرة والإرادة ) فهو نظر خامس في الترقي ، ( فأكثر نظر الخلق مقصور على ) المرتبة الأولى وهي ( الأسباب القريبة السافلة مقطوع )