تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥

الفصل السابع عشر في بيان بعض ما اعترض عليه والجواب عنه :

قال الفخر ابن عساكر : ومما كان يعترض به عليه وقوع خلل من جهة النحو يقع في أثناء كلامه وروجع فيه فانصف من نفسه واعترف بأنه ما مارس ذلك الفن ، واكتفى بما يحتاج إليه من كلامه مع أنه كان يؤلف الخطب ويشرح الكتب بالعبارات الرائقة التي تعجز الأدباء والفصحاء عن أمثالها ، وأذن للذين يطالعون كتبه فيعثرون على خلل فيها من جهة اللفظ أن يصلحوه ويعذروه ، فما كان قصده إلّا المعاني وتحقيقها دون الألفاظ وتلفيقها ومما نقم عليه مما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتابه « كيمياء السعادة والعلوم » ، وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا يوافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الإسلام ، وكان الأولى والحق أحق ما يقال ترك ذلك التصنيف والأعراض عن الشرح به ، فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج ، فإذا سمعوا شيئا من ذلك تخيلوا منه ما هو المضر بعقائدهم ، وينسبون ذلك إلى مذاهب الأوائل على أن المنصف اللبيب إذا رجع إلى نفسه علم أن أكثر ما ذكره مما رمز إليه إشارات الشرع ، وإن لم يبح ويوجد أمثاله في كلام مشايخ الطريقة مرموزة ومصرحا بها متفرقة ، وليس لفظ منه إلا وكما يشعر أحد وجوهه بكلام موهم ، فإنه يشعر سائر وجوهه بما يوافق عقائد أهل الملة فلا يجب إذا حمله إلا على ما يوافق ، ولا ينبغي أن يتعلق به في الرد عليه متعلق أن أمكنه أن يبين له وجها في الصحة يوافق الأصول على أن هذا القدر يحتاج إلى من يظهره ويقوم به ، وكان الأولى أن يترك الإفصاح بذلك واللّه أعلم . هذا ما يتعلق بالطعن عليه مجملا في سائر كتبه ، وكذلك أنكر عليه ابن الصلاح على قوله في أوّل المستصفى هذه مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بمعلومة أصلا ، وقد نحا منحاه ابن القيم في مفتاح دار السعادة ، وأقام النكير عليه وعلى من يقول بعلم المنطق مما سيأتي بعضه في الباب الثاني ، وقد أجاب عنه التقي السبكي وأوسع فيه مما نقله عنه ولده التاج في الطبقات فراجعه ، وأما ما يتعلق بكتابه الاحياء فسيأتي كلام المنكرين عليه ، والجواب عنه عند ذكر هذا الكتاب في مصنفاته .

الفصل الثامن عشر في بيان كونه مجددا للقرن الخامس :

ولنذكر أوّلا الحديث الذي استنبط منه العلماء التجديد . روى أبو داود في الملاحم ، والحاكم في الفتن وصححه والبيهقي في كتاب المعرفة له كلهم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه رفعه : « إن اللّه تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها » . قال العراقي وغيره : سنده صحيح أي يقيض لها على رأس كل مائة من الهجرة أو غيرها رجلا كان أو أكثر من يبين السنّة من البدعة ، ويكثر العلم وينصر أهله ويذل أهل البدعة . قالوا : ولا يكون إلا عالما بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة ، فكان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز والثانية الشافعي ،