تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
( الثاني ) : أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر ، كعلم النجوم ، فإنه في نفسه غير مذموم لذاته ، إذ هو قسمان : قسم حسابي ، وقد نطق القرآن بأن مسير الشمس والقمر محسوب ، إذ قال عز وجل :
( الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ )
. [ الرحمن : 5 ] .
شرح
الخوف ، كالذي يضطر إلى الميتة ولحم الخنزير فيأكل ليحيي نفسه ، وكذلك الخائف له أن يخلص نفسه ببعض ما حرم اللّه عليه وله أن يحلف على ذلك ولا حرج عليه ولا إثم . وقال الراغب في الذريعة : ذهب كثير من المتكلمين أن الصدق يحسن لعينه والكذب يقبح لعينه ، وقال كثير من الحكماء والمتصوفة : إن الكذب يقبح لما يتعلق به من المضار الحاصلة والصدق يحسن لما يتعلق به من المنافع الحاصلة ، وذلك أن الأقوال من جملة الأفعال وشيء من الأفعال لا يحسن ولا يقبح لذاته ، بل إنما يحسن ما يحسن لما يتعلق به في النفع . قالوا : والكذب إنما يقبح بثلاث شرائط أن تكون الخبر بخلاف المخبر عنه ، وأن يكون المخبر قد اختلقه قبل الإخبار به ، وأن لا يقصد إيراد ما في نفسه لاندفاع ضرر أعظم من ضرر ذلك الكذب ، مع شرط أن لا يمكن الوصول إلى ذلك النفع بغيره ، ومع أنه إذا ظهر كان للكاذب عذر واضح عاجلا وآجلا ، قالوا : ولا يلزم على هذا أن يقال جوزوا الكذب فيما يرجى منه نفع دنيوي ، فالمنعفة الدنيوية ولو كانت ملك الدنيا بحذافيرها لا توفى على ضرر هذا ، بل الذي قلناه يتصور في نفع أخروي يكون الإنسان فيه عاجلا وآجلا معذورا كمن سألك عن مسلم استتر في دارك وهو يريد قتله ، فيقول : هل فلان في دارك ؟ فتقول : لا ، فهذا يجوز فإن نفع هذا الكذب موف على ضرره وهو فيه معذور ، وأما الصدق فإنه يحسن حيث يتعلق به نفع ولا يلحق ضرر بأحد ، فمعلوم قبح النميمة والغيبة والسعاية وإن كانت صدقا ، فاتضح بما ذكرناه صحة قول الشيخ رحمه اللّه تعالى ولا عبرة بجمهور المخالفين له فيه . ( الثاني : أن يكون مضرا بصاحبه في غالب الأمر ، كعلم النجوم فإنه في نفسه غير مذموم لذاته إذ هو قسمان ) . اعلم أن علم النجوم علم بأحكام يستدل بها إلى معرفة الحوادث الكائنة في عالم الكون من الصلاح والفساد بالتشكيلات الفلكية ، وهي أوضاع الأفلاك والكواكب كالمقارنة والمقابلة والتثليث والتربيع إلى غير ذلك ، وهو عند الإطلاق ينقسم إلى ثلاثة أقسام ، ( قسم حسابي ) وهو يقيني في علمه شرعا ، ( وقد نطق القرآن بأن سير الكواكب محسوب إذ قال تعالى :الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ )أي يجريان بحسبان وتقدير لا يعلمه إلا من أطلعه من خلقه عليه ، فلا يجاوز أن ما قدر لهما من جريهما( لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ )[ يس : 49 ] قيل : الحسبان جمع حساب ، والأصوب أنه مصدر . يقال : حسب الشيء يحسبه حسبانا ، وأصل الحساب استعمال العد والتقدير ؟ قال عبد بن حميد في سننه : حدثنا جعفر بن عون ، حدثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي مالك :