تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
شرح
وقول الشيخ : بل يجب الكذب في ذلك هو أحد المواضع التي تكلموا عليه فيه ، ونحن نبين لك حاصل ما قاله المحققون . أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا » . وزاد مسلم في هذا الحديث قالت : ولم أسمعه يرخص في شيء مما تقول الناس إلا في ثلاث في الحرب ، والإصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها ، وجعل يونس ومعمر هذه الزيادة عن الزهري . قال الخطيب : القول قولهما والحق معهما ، وذكره أيضا موسى بن هارون وقال : آخر حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو يقول خيرا يعني كما عند البخاري ، وللترمذي « لا يحل الكذب إلا في ثلاث يحدث الرجل امرأته ليرضيها ، والكذب في الحرب ، والكذب ليصلح بين الناس » . قال ابن الملقن ، قال الطبري : واختلف العلماء في ذلك فقالت طائفة الكذب المرخص فيه في هذه الثلاثة هو جميع معاني الكذب ، وحمله قوم على الاطلاق ، وأجازوا قول ما لم يكن في ذلك لما فيه من المصلحة ، فإن الكذب المذموم إنما هو فما فيه مضرة للمسلمين ، وقال آخرون : لا يجوز الكذب في شيء من الأشياء ولا الخبر عن شيء بخلاف ما هو عليه ، وما جاء في هذا إنما هو على التورية . وروى مجاهد عن أبي معمر ، عن ابن مسعود قال : لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ، وقال آخرون : بل الذي رخص فيه هو المعاريض ، وهو قول سفيان وجمهور العلماء ، وقال المهلب : ليس لأحد أن يعتقد إباحة الكذب ، وقد نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكذب نهيا مطلقا ، وأخبر أنه يجانب الإيمان فلا يجوز استباحة شيء منه ، وإنما أطلق عليه الصلاة والسلام للصلح بين الناس أن يقول : ما علم من الخير بين الفريقين ويسكت عما سمع من الشر بينهم ، وبعد أن يسهل ما صعب ويقرب ما بعد لا إنه يخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه ، لأن اللّه قد حرم ذلك ورسوله ، وكذلك الرجل يعد المرأة يمنيها وليس هذا من طريق الكذب ، لأن حقيقة الكذب الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه ، والوعد لا يكون حقيقة حتى ينجز والإنجاز مرجو في الاستقبال ، فلا يصلح أن يكون كذبا ، وكذلك في الحرب إنما يجوز فيها المعاريض والإيهام بألفاظ تحتمل وجهين يؤدي بهما عن أحد المعنيين ليغر السامع بأحدهما عن الآخر ، وليس حقيقة الاخبار عن الشيء بخلافه وضده ، قال الطبري : والصواب من ذلك قول من قال الكذب الذي أذن فيه الشارع هو ما كان تعريضا ينحو به نحو الصدق ، وأما صريح الكذب فهو غير جائز لأحد ، كما قال ابن مسعود لما روى عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تحريمه ، والوعيد عليه . وأما ما رواه الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة ، عن النزال بن برة قال : كنا عند عثمان وعنده حذيفة فقال له عثمان : بلغني عنك أنك قلت كذا وكذا ، فقال حذيفة : واللّه ما قلته . قال : وقد سمعناه . قال ذلك ، فلما خرج قلنا له أليس قد سمعناك تقوله ؟ قال : بلى . قلنا : فلم حلفت ؟ قال : إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله ، فهذا خارج من معاني الكذب الذي روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه أذن فيها ، وإنما ذلك من جنس إحياء الرجل نفسه عند
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 347 | مرتضى الزبيدي