بالخلق والوسيلة إلى الشر شر ، فكان ذلك هو السبب في كونه علما مذموما ، بل من اتبع وليا من أولياء اللّه ليقتله وقد اختفى منه في موضع حريز إذا سأل الظالم عن محله لم يجز تنبيهه عليه ؛ بل وجب الكذب فيه ؛ وذكر موضعه ارشاد وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه ، ولكنه مذموم لأدائه إلى الضرر .
شرح
العلماء تعلم العلم خير من جهله ، ومن تعلمه بقصد دفع الضرر كان ذلك في حقه فرض كفاية ، ( ولكنها ) أي تلك المعرفة ( ليست تصلح إلا للإضرار بالخلق ) غالبا وهو حرام ( والوسيلة إلى الشرشر ) أي ما يتوسل به إلى الشرشر ( فكان ذلك هو السبب في كونه مذموما ) .
وقد وردت في ذمة أحاديث ما بين صحاح وحسان ، فمنها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة « اجتنبوا الموبقات الشرك باللّه ، والسحر » . وفي رواية مسلم ، وأبي داود ، والنسائي » اجتنبوا السبع الموبقات الشرك باللّه ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات » . والموبقات : هي المهلكات . وقول التاج السبكي : الموبقة أخص من الكبيرة ، وليس في حديث أبي هريرة أنها الكبائر . تعقبه الحافظ ابن حجر بالرد . قال المناوي : السحر إن اقترن بكفر فكفر وإلا فكبيرة عند الشافعي وكفر عند غيره ، وتعلمه إن لم يكن لذب السحرة عند نشره حرام عند الأكثر ، وعلى ذلك يحمل قول الإمام الرازي في تفسيره : اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محذور ، لأن العلم شريف وللعموم :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ )[ الزمر : 9 ] ولأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة ، والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف عليه الواجب واجب . قال : فهذا يقتضي كون العلم به واجبا وما يكون واجبا فكيف يكون حراما أو قبيحا اه .
( بل من اتبع وليا من أولياء اللّه تعالى ليقتله وقد اختفى منه في موضع حريز ) أي منيع ( إذا سأله الظالم عن محله ) الذي هو فيه ( لم يجز تنبيهه عليه ) وتعريفه إياه ، ( بل يجب الكذب في ذلك ) للمصلحة الشرعية ، ( وذكر موضعه ) له ( إرشاد ) في الظاهر وصدق ( وإفادة علم بالشيء على ما هو عليه ، ولكنه مذموم لأدائه إلى الضرر ) بقتل الرجل الصالح .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه في ترجمة ميمون بن مهران من رواية ابن أبي الدنيا ، حدثني أبي ، حدثنا إسماعيل بن عليه ، أخبرنا سوار بن عبد اللّه قال : بلغني أن ميمون بن مهران كان جالسا وعنده رجل من قرّاء الشام فقال : إن الكذب في بعض المواطن خير من الصدق ، فقال :
الصدق في كل موطن خير ، فقال ميمون : أرأيت لو رأيت رجلا يسعى وآخر يتبعه بالسيف فدخل الدار فانتهى إليك ، فقال : أرأيت الرجل ما كنت قائلا ؟ قال : كنت أقول لا . قال :
فذاك اه .