للقضاء ، وأما علمه بطريق الآخرة وطريق أمور الدين ومعرفته باللّه عز وجل فيدل عليه شدّة خوفه من اللّه تعالى وزهده في الدنيا ، وقد قال ابن جريج قد بلغني عن كوفيكم هذا النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف للّه تعالى . وقال شريك النخعي : كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس ، فهذا من أوضح الامارات
شرح
المقال . ( وإن كنت كاذبا ) كما تزعمون ، ( فالكاذب لا يصلح للقضاء ) لسقوط عدالته بالكذب ، وقد رويت هذه القصة من أوجه كثيرة . ففي تاريخ الذهبي قال إسحاق بن إبراهيم الزهري ، عن بشر بن الوليد الكندي قال : طلب المنصور أبا حنيفة فأراده على القضاء وحلف ليلين فأبى ، وحلف أن لا يفعل فقال الربيع حاجب المنصور : ترى أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف . قال أمير المؤمنين على كفارة يمينه أقدر مني ، فأمر به إلى السجن فمات فيه ، وعن مغيث بن بديل قال : دعا المنصور أبا حنيفة على القضاء فامتنع فقال : أترغب عما نحن فيه ؟ فقال :
لا أصلح . قال : كذبت . قال أبو حنيفة : فقد حكم أمير المؤمنين علي أني لا أصلح فإن كنت كاذبا فلا أصلح ، وإن كنت صادقا فقد أخبرتكم أني لا أصلح فحبسه . وقال إسماعيل بن أبي إدريس ، سمعت الربيع بن يونس الحاجب يقول : رأيت المنصور تناول أبا حنيفة في أمر القضاء فقال : واللّه ما أنا بمأمون الرضا ، فكيف أكون مأمون الغضب فلا أصلح لذلك . فقال : كذبت بل تصلح ، فقال : كيف يحل لك أن تولى من يكذب . ( وأما علمه بطريق ) وفي نسخة بأمور ، وفي أخرى بعلوم ( الآخرة وطريق الدين ومعرفته باللّه تعالى ، فيدل عليه شدة خوفه من اللّه تعالى وزهده في الدنيا ، وقد قال ) أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز ( ابن جريج ) القرشي مولاهم المكي الفقيه أحد الأعلام ، روي عن مجاهد ، والحسن ، وابن أبي مليكة ، وعطاء ، وعنه القطان ، وروح ، وحجاج بن محمد ، وهو أوّل من صنف الكتب ، وقال أحمد : كان من أوعية العلم روى عن ست عجائز من عجائز المسجد الحرام توفي سنة تسع وأربعين ومائة وقد جاوز المائة ( قد بلغني عن كوفيكم هذا ) يعني ( النعمان بن ثابت أنه شديد الخوف للّه تعالى ) . وفي تاريخ الذهبي قال يزيد بن كميت : سمعت رجلا يقول لأبي حنيفة اتّق اللّه فانتفض واصفر لونه وأطرق وقال : جزاك اللّه خيرا ما أحوج الناس كل وقت إلى من يقول لهم مثل هذا . وروى محمد بن سماعة ، عن محمد بن الحسن ، عن القاسم بن معين أن أبا حنيفة قام ليلة يردّد قوله تعالى :( بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ )[ القمر : 46 ] . ويبكي ويتضرع إلى الفجر ، فكل ذلك يدل على شدة خوفه من اللّه تعالى . ( وقال ) أبو عبد اللّه ( شريك ) بن عبد اللّه بن أبي شريك ، وهو الحرث بن أوس بن الحرث بن الأذهل بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع ( النخعي ) الكوفي القاضي ولد ببخارى سنة 95 ، وكان جده شهد القادسية وهو أحد الأعلام ، روى عن زياد بن علاقة وسلمة بن كهيل وعلي بن الأقمر وأبي إسحاق ومنصور ، وعنه أبو بكر بن أبي شيبة ، وعلي بن حجر وإسحاق بن يوسف الأزرق وغيرهم . قال ابن معين : ثقة زاد العجلي حسن الحديث مات سنة سبع وسبعين ومائة استشهد به البخاري ، وروى له مسلم في