على العلم الباطني والاشتغال بمهمات الدين ، فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله ، فهذه نبذة من أحوال الأئمة الثلاثة .
شرح
المتابعات واحتج به الباقون ، ( كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر ) في جلال اللّه وعظمته ( قليل المحادثة للناس ) أي إلا فيما يعنيه . وروى حماد قال : كان أبي هيوبا لا يتكلم إلا جوابا ولا يخوض فيما لا يعنيه ، ( وهذا من أوضح الأمارات ) أي العلامات ( على العلم الباطن والاشتغال بمهمات الدين ) وضرورياته ، ( فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله ) لأنهما يدلان على العلم الباطن ، وسيأتي قول من أوتي صمتا نجا من السوء على أن الكامل إذا نطق نطق بحكمة ، وإذا صمت صمت عن حكمة ، فجميع أحواله يدل على العلم الباطن . وبقي من ترجمة الإمام شيء أورده الذهبي في تاريخه أوردته هنا ليكون كالذيل لما ذكره المصنف . قال :
كان أبو حنيفة خرازا ينفق من كسبه ولا يقبل شيئا من جوائز السلطان تورّعا ، وكان له دار وضياع ومعاش متسع ، وكان معدودا في الأجواد الأسخياء والألباب الأذكياء مع الدين والعبادة والتهجد وكثرة التلاوة وقيام الليل . قال خزاز بن صرد : سئل يزيد بن هارون أيما أفقه أبو حنيفة أم الثوري ؟ فقال : أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث . وقال الشافعي : الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة ، وقال يزيد بن هارون : ما رأيت أحد ، أورع ولا أعقل من أبي حنيفة ، وقال صالح جرزة : سمعت يحيى بن معين يقول : أبو حنيفة ثقة . وعن النضر بن محمد قال : كان أبو حنيفة جميل الوجه سري الثوب عطرا . وقال أبو يوسف كان ربعا من أحسن الناس صورة ، وأبلغهم نطقا ، وأعذبهم نغمة ، وأبينهم عما في نفسه ، وعن ابن المبارك ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتا وحلما من أبي حنيفة . وروى إبراهيم بن سعد الجوهري عن المثنى بن رجاء قال : جعل أبو حنيفة على نفسه إن حلف باللّه صادقا أن يتصدق بدينار ، وكان إذا أنفق على عياله نفقة تصدق بمثلها . وقال أبو بكر بن عياش : لقي أبو حنيفة من الناس عنتا لاقلال مخالطته ، فكانوا يرونه من زهوّ فيه ، وإنما كان غريزة . وقال جبارة بن المفلس : سمعت قيس بن الربيع يقول : كان أبو حنيفة ورعا تقيا مفضلا على اخوانه ، وقال زيد بن أحرم : حدثنا داود الخربيني قال : كنا عند أبي حنيفة فقال رجل له إني وضعت كتابا على خطك ، إلى فلان فوهب لي أربعة آلاف درهم ، فقال أبو حنيفة : إن كنتم تنتفعون بهذا فافعلوه . وروى نوح الجامع أنه سمع أبا حنيفة يقول : ما جاء عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فعلى الرأس والعين ، وما جاء عن الصحابة اخترنا ، وما كان غير ذلك فهم رجال ونحن رجال ، وقال أبو حنيفة : لا ينبغي للرجل أن يحدث إلا بما يحفظه في وقت ما سمعه . روى أبو يوسف ذلك عنه . وقال أحمد بن الصباح قيل لمالك :
هل رأيت أبا حنيفة ؟ قال : نعم رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته . وقال الخربيني ما يقع في أبي حنيفة إلا حاسد أو جاهل . وقال يحيى القطان ، لا نكذب واللّه ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة وقد أخذنا بأكثر أقواله . وقال علي بن عاصم : لو وزن علم أبي حنيفة بعلم أهل زمانه لرجح عليهم . وقال حفص بن غياث : كلام أبي حنيفة في الفقه أدق