سليمان أنه كان يحيى الليل كله . وروي أنه كان يحيى نصف الليل فمرّ يوما في طريق ، فأشار إليه إنسان وهو يمشي فقال لآخر : هذا هو الذي يحيى الليل كله ، فلم يزل بعد ذلك يحيى الليل كله ، وقال : أنا أستحي من اللّه سبحانه أن أوصف بما ليس فيّ من عبادته .
وأما زهده ، فقد روي عن الربيع بن عاصم قال : أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه ، فأراده أن يكون حاكما على بيت المال فأبى فضربه عشرين
شرح
قلت : وقد ذكر أيضا في شيوخه كما تقدم ( أنه كان يحيى الليل كله ) وذلك في أواخر عمره ، ( وروي ) عن غيره ( أنه كان يحيى نصف الليل ) أوّلا ( فمر في طريق ) من طرق الكوفة ، ( فسمع انسانا يقول ) وروي فأشار إليه إنسان وهو يمشي ( هذا الذي يحيى الليل كله ، فلم يزل ) أبو حنيفة ( بعد ذلك يحيى كل الليل ) . وفي نسخة : الليل كله ، ( وقال : أنا أستحي من اللّه تعالى أن أوصف بما ليس فيّ من عبادته ) وفي رواية : بعبادة ليست فيّ يعني احترازا من دخوله في قوله تعالى يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ، وروى بشر بن الوليد ، عن أبي يوسف قال : بينما أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلا يقول لآخر هذا أبو حنيفة لا ينام الليل ، فقال أبو حنيفة : واللّه لا يتحدث عني بما لم أفعل ، فكان يحيى الليل صلاة ودعاء وتضرعا . وقد روي من وجهين : أنه ختم القرآن في ركعة كل ليلة . رواه علي بن إسحاق السمرقندي ، عن أبي يوسف ، وعن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة صلى العشاء والصبح بوضوء واحد أربعين سنة . وروى يحيى بن عبد الحميد الحماني ، عن أبيه أنه صحب أبا حنيفة ستة أشهر قال : فما رأيته صلّى الغداة إلا بوضوء العشاء الأخيرة ، وكان يختم القرآن في كل ليلة عند السحر .
وقال الحسين بن محمد السمناني في كتابه خزانة المفتين ووفاته سنة 174 . حكي أن أبا حنيفة لما حجّ حجة الوداع دخل الكعبة وقام بين العمودين على رجله اليمنى حتى قرأ نصف القرآن وركع وسجد ، ثم قام على رجله اليسرى وقد وضع قدمه اليمنى على ظهر رجله اليسرى حتى ختم القرآن ، فلما سلم بكى وناجى وقال : إلهي ما عبدك هذا العبد الضعيف حق عبادتك ، ولكن عرفك حق معرفتك فهبه نقصان عبادته لكمال معرفته .
( وأما زهده ، فقد روي عن الربيع بن عاصم ) لم أجده هكذا في الرواة عن أبي حنيفة .
وفي الميزان الربيع بن إسماعيل أبو عاصم ، عن الجعدي من ولد جعفر بن هبيرة ، وعنه بكر بن الأسود ومحمد بن إسماعيل الأحمسي ، فلعله هو هو ، وتصحف على النساخ ، ثم وجدت بعد ذلك هذا السياق بعينه في كتاب التاريخ لابن أبي خيثمة . أورده بسنده من طريق الربيع بن عاصم هكذا . ( قال : أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة ) وإلى الكوفة من قبل مروان بن محمد ، وإليه نسب قصر ابن هبيرة بالكوفة ، ( فقدمت بأبي حنيفة عليه فأراده ) أن يوليه ( على بيت المال ) ، وقيل : القضاء ( فلم يله وضربه عشرين سوطا ) .