مالك رحمه اللّه : ما كان رجل صادقا في حديثه ولا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه مع الهرم آفة ولا خرف .
شرح
أخرج أبو نعيم في الحلية أن جعفر بن سليمان ضرب مالكا في طلاق المكره . قال ابن وهب :
وحمل على بعير فقال : ألا من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس بن عامر ، وأنا أقول طلاق المكره ليس بشيء فبلغ جعفر بن سليمان أنه ينادي على نفسه بذلك . فقال : أدركوه وانزلوه . وفي تاريخ الذهبي قال المفضل بن زياد : سألت أحمد من الذي ضرب مالكا ؟ قال :
ضربه بعض الولاة في طلاق المكره كان لا يجيزه فضربه لذلك ، وقال أبو داود السنجي : ضرب جعفر بن سليمان العباسي مالكا في طلاق المكره ، فحدثني بعض أصحاب ابن وهب أن مالكا ضرب وحلق وحمل على بعير فقيل له : ناد على نفسك فنادى فذكر مثل ما تقدم من سياق الحلية ، وعن إسحاق القروي وغيره قال : ضرب مالك ونيل منه وحمل مغشيا عليه . وعن مالك قال : ضربت فيما ضرب فيه سعيد بن المسيب ومحمد بن المنكدر وربيعة ، ولا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر . وعن الليث بن سعد قال : إني لأرجو أن يرفعه اللّه بكل سوط درجة في الجنة . قال مصعب بن عبد اللّه ، ضربوه ثلاثين سوطا . ويقال : ستين سوطا ، وذلك في سنة ست وأربعين ومائة . قال الأصمعي : ضربه جعفر بن سليمان ثم بعد مشيت بينهما حتى جعله في حل ، وقال الواقدي : حسدوا مالكا وسعوا به إلى جعفر بن سليمان وهو على المدينة ، وقالوا : إنه لا يرى بيعتكم هذه شيئا ويأخذ بحديث في طلاق المكره إنه لا يجوز فغضب ودعا به وجرد ومدت يده حتى انخلع كتفه ، وفي رواية يداه حتى انخلعت كتفاه ، قال الواقدي : فو اللّه ما زال بعد ذلك الضرب في علو ورفعة . وروى الحافظ أبو الوليد الباجي قال : حج المنصور فأقاد مالكا من جعفر بن سليمان فامتنع مالك وقال : معاذ اللّه .
قلت : وطلاق المكره غير صحيح ، وخالفهم أبو حنيفة فصححه ، ودليلهم ما رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة ، والحاكم عن عائشة : « لا طلاق ولا عتاق في أغلاق » . وقال الحاكم بعد ما أخرجه من طريقين أنه صحيح على شرط مسلم . ورده الحافظ الذهبي بأن فيه من إحدى طريقيه محمد بن عبيد بن صالح لم يحتج به مسلم وضعفه أبو حاتم . وفي الأخرى نعيم بن حماد صاحب مناكير ، ولذا ضعفه الحافظ ابن حجر . والاغلاق : الاكراه . قال ابن الأعرابي : أغلق زيد عمرا على شيء يفعله إذا أكرهه عليه ، واعتبر الإمام أبو حنيفة وجود اللفظ المعتبر من أصله في محله ، ولم يعتبر وجود الرضا بثبوت الحكم . ومنهم من فسر الإغلاق بمعنى أنه لا تغلق التطليقات كلها دفعة واحدة حتى لا يبقى منها شيء ، ولكن يطلق طلاق السنة . وقيل : غير ذلك ومحله كتب الفقه . ( وقال مالك : ما كان رجل صادقا في حديثه ) أي عود لسانه بالصدق ( لا يكذب ) فيه ( إلا متع بعقله ) أمتعه اللّه به ( ولم يصبه مع الهرم ) أي كبر السن ( آفة ) في بدنه وحواسه ( ولا خرف ) أي فساد العقل ، وهذا ظاهر في أهل الحديث المشتغلين به يموت أحدهم عن التسعين وأكثر وأقل ممتعا بحواسه ببركة صدقه في الحديث وروايته له .