وأما زهده في الدنيا فيدل عليه ما روي أن المهدي أمير المؤمنين سأله فقال له : هل لك من دار ؟ فقال : لا ، ولكن أحدثك . سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول :
« نسب المرء داره » وسأله الرشيد : هل لك دار ؟ فقال : لا ، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار وقال : اشتر بها دارا فأخذها ولم ينفقها ، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك رحمه اللّه : ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ كما حمل عثمان
شرح
( وأما زهده في الدنيا ) وتقلله منها ( فيدل عليه ما روي أن المهدي أمير المؤمنين ) هو أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن علي بن عبد اللّه بن عباس ثالث الخلفاء العباسية ( سأله وقال : هل لك دار ؟ ) أي بالملك ( فقال لا ، ولكن أحدثك فيه حديثا ، سمعت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ) هو أبو عثمان ربيعة بن فروخ مولى آل المنكدر ، فقيه المدينة المعروف بالرأي .
روى عن أنس ، والسائب ، وربيعة بن عبد اللّه بن المهدي ، وعنه مالك ، والليث والدراوردي ، وأبو حمزة توفي بالأنبار سنة 130 ( يقول : نسب المرء داره ) وهذا من قوله موقوف عليه وسماه حديثا تجوزا . ( وسأله الرشيد ) هارون بن محمد بن عبد اللّه بن عباس رابع الخلفاء العباسية ، وذلك في سنة حجه وهي السنة التي توفي فيها مالك ( هل لك دار ؟ فقال : لا .
فأعطاه ثلاثة آلاف دينار قال اشتر بها دارا ) . ووصله أيضا يحيى بخمسمائة دينار ( فأخذها ولم ينفقها ) أي لم يصرف منها شيئا ، ( فلما أراد الرشيد الشخوص ) أي الخروج من الحجاز إلى العراق بعد أداء نسكه ( قال لمالك رحمه اللّه ينبغي أن تخرج معنا ) إلى العراق ( فإني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ ) أي على العمل بما فيه ( كما حمل ) أمير المؤمنين ( عثمان ) بن عفان ( الناس على القرآن ) وأبطل جميع المصاحف . قال أبو الحسن بن فهر في كتاب فضائل مالك : أخبرنا أحمد بن إبراهيم بن فراس ، سمعت أبي يقول : سمعت علي بن أحمد الخلنجي يقول : سمعت بعض المشايخ يقول : قال مالك : عرضت كتابي هذا على سبعين فقيها من فقهاء المدينة فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ ، قال ابن فهر : ولم يسبق مالكا أحد إلى هذه التسمية ، فإن من ألف في زمانه بعضهم سمى بالجامع ، وبعضهم سمي بالمصنف ، وبعضهم بالمؤلف ، والموطأ بمعنى الممهد المنقح المحرر المصفى . قال الشافعي : ما بعد كتاب اللّه أصح من الموطأ . وفي رواية :
أصح من كتاب مالك ، وقال السيوطي : أطلق جماعة على الموطأ اسم الصحيح ، واعترضوا على ابن الصلاح في قوله : أول من صنف في الصحيح البخاري بأن مالكا تقدمه ، وقال النووي في التقريب : أول من صنف في الصحيح المجرد فزاد المجرد احترازا عن الموطأ ، فإن مالكا لم يجرد فيه الصحيح ، بل أدخل فيه المرسل والمنقطع والبلاغات ، وقال الحافظ مغلطاي : لا فرق بين الموطأ والبخاري في ذلك لوجوده أيضا في البخاري من التعاليق ونحوها . قال الحافظ ابن حجر :
كتاب مالك صحيح عنده وعند من يقلده على ما اقتضاه نظره من الاحتجاج بالمرسل والمنقطع وغيرهما لا على الشرط الذي استقر عليه العمل في حد الصحة . قال : والفرق بين ما فيه من المنقطع وبين ما في البخاري أن الذي في الموطأ هو كذلك مسموع لمالك غالبا وهو حجة عنده ،